النزعة الفردية نزعة عريقة في وجودها أمن بها الرومان وبعض من سبقهم في المجتمع القديم، وقد ظهرت هذه النزعة الفردية نتيجة لطغيان الحكام والسلطة المطلقة للطبقة الحاكمة وكرد فعل لها، وتهدف تحرير الفرد من هذا الظلم وحماية حقوقهم وكفالة تمتعهم بها، انتعشت فكرة الح
أنت هنا
قراءة كتاب حقوق الإنسان ومعاييرها الدولية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
2- مفهوم حقوق الإنسان ونشأتها وتطورها
2-1 مفهوم حقوق الإنسان
الإنسان هو محور الحقوق جميعا. فهي، مبدئيا لا تكون إلا له وإذا كانت مفيدة، لمصلحة المجتمع في بعض الأحيان، فليس هذا التقيد إلا لمصلحة الإنسان نفسه، الذي هو ( مدني بطبعه ) بحسب الرأي الراجح، ولابد له من التعايش الاجتماعي مع أخيه الإنسان.
غير إن فئة من الحقوق اعتبرت أساسية وحيوية، واصطلح العلماء المحدثون على تسميتها وحدها بحقوق الإنسان، وذلك تقديرا لأهميتها، واحتراما للكرامة والقيم الإنسانية وهي لصيقة بالشخصية، كحق الشخص في الحياة وفي سلامة جسمه وأعضائه وحقه في المحافظة على شرفه وكرامته. فهي حقوق طبيعية عامة تثبت للإنسان لكونه إنساناً وتنبع من بشريته، وتتصل به وتثبت بمجرد ولادته وتنتهي بوفاته وتثبت لجميع الناس بشكل متساو. وتسمى بالحقوق الطبيعية أو حقوق الإنسان لكونها حقوقا تفرضها الطبيعة البشرية ويقررها القانون الطبيعي بحكم كونه إنساناً. وان نسبة مبادئ حقوق الإنسان لمجموعة بشرية معينة أو حقبة تأريخية محددة عملية غير علمية وليست صحيحة. ففكرة حقوق الإنسان هي مزيج من التفاعل الحضاري للمفاهيم الإنسانية عبر العصور. لذلك فلكل مجموعة الحق في الادعاء ببعض القيم والأفكار التي تحتويها.
كما قلنا في المقدمة، منذ القدم استمرت المناقشات حول مصادر وأنواع الحقوق، والحصيلة كانت ولادة عدة نظريات للتحليل والتحقيق حول الحقوق.
بعض هذه النظريات تؤكد على أن الطبيعة هي مصدر الحقوق، وتقول أخرى بأن الرب هو صاحب كل الحقوق وهو الذي يهبها للإنسان. بينما هناك نظريات على عكس ما سبق، بأن الدولة هي المصدر الوحيد للحقوق، لان الحقوق في رأيها تبنى على القانون وبدونه لا يوجد شيء أسمه الحق، على كل حال، أذا كانت مناقشة المشرعين حول وجود الحقوق أو عدمه على هذه الشاكلة فكيف إذن ينظرون إلى أقسام وأنواع الحقوق. في الواقع إن الإنسان محور كل حقوق كما قلنا في السابق، لذا لا يمكن النظر إليها دون الإنسان وبعكسه، إذن فهما لا ينفصلان، ففي الأصل إن الحقوق وجدت لخدمة مصالح الإنسان، ولكن أحيانا عندما تقلل من حقوق الإنسان أو انه يقف مكتوف الأيدي أمام تجسيد بعض هذه الحقوق، لا يعني ذلك إن هذا هو ضد مصالح الإنسان بل إن معوقات تطبيق الحقوق هي في مصلحة الإنسان.
لان الإنسان يعتبر مدنيا وفق طبيعته بحسب الأصل، لذلك فأنه عقد اتفاقا مع الآخرين من بني جنسه حوله والذي يسمى (العقد الاجتماعي ) وبموجب هذا العقد قد يترك الإنسان بعض حقوقه للمجتمع مقابل الاحترام والاحتفاظ ببقاياها بهدف الخلاص من الحقوق المضادة. لان حرية كل فرد تبدأ في المكان الذي تنتهي منه حرية شخص آخر، ولأجل تنظيم هذه الحريات، يستوجب عقد الاتفاق الاجتماعي، إذن عرفنا ما هي الحقوق، فماذا تعني حقوق الإنسان؟.
كما ذكرنا آنفا بأن الإنسان هو محور كل الحقوق، وهو والحقوق لا ينفصلان، ولكن بالرغم من وجود هذه العلاقة الوثيقة، فأن هناك حقوقا رئيسية للإنسان لا يمكن الاستغناء عنها، كما وفي نفس الوقت توجد للإنسان حقوق ثانوية يمكن الاستغناء عنها لأنها لا تضره في كل الأحوال. وهذه الحقوق الأساسية تسمى حقوق الإنسان، في الواقع إن حقوق الإنسان والحقوق الطبيعية والحقوق المدنية كلها تتحد في المضمون ولكنها تختلف في التسمية.
وحسب أقوال (شيشرون وتوماس الاكويني وأرسطو) فأن مصدر الحقوق الطبيعية هو القانون الثابت والخالد والذي لا يتأثر بتغير الزمان والمكان من حيث جوهره ويطبق على كل فرد في أي مكان يكون سواء هنا أو هناك، وهذا القانون هو القانون الطبيعي، ويدرك الإنسان أحكام هذا القانون ويصل إليها عن طريق العقل.
ونحن نقول، إذا كان هناك قانون باسم القانون الطبيعي، وحقوق باسم الحقوق الطبيعية، فإن الله سبحانه وتعالى هو واضعه بدون شك ونتلمس أحكام هذا القانون من خلال القران الكريم.
في بعض الأحيان تقليل جزء من هذه الحقوق يضر بكرامة الإنسان وهو ضد مصالحه وعلى هذا الأساس فانه من البديهي أن ذلك بدوره يؤدي إلى التقليل من القيمة الإنسانية ونستطيع أن نعتبره إنساناً غير سوي، ولكن على عكس ذلك فأن إكمال هذه الحقوق يؤدي إلى إكمال إنسانيته، وعلى هذا الاعتبار فان مجموعة الحقوق التي اقرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 تعتبر الحد الأدنى من الحقوق الضرورية للإنسان، ولهذا سميت بحقوق الإنسان، لذا فان أي تجاوز على هذه الحقوق يعتبر تجاوزا على الإنسان نفسه فمثلا منعه عن حرية التعبير وحق الانتخاب وحقوق التربية والتعليم هي في حد ذاتها تقليل من شخصية الإنسان.
كما ذكرنا سابقا أن هذه الحقوق الأساسية مرهونة بطبيعة الإنسان وقيمة الإنسانية، ويقوم المجتمع بتنظيمها بحيث تنسجم مع المجتمع نفسه ومع الظروف التي تحيط به. لذا نرى ان في كل دولة يقوم القانون بتحديد الحقوق الأساسية للإنسان، وهذا هو مضمون الفرق بين هذه الحقوق والحقوق التي جاءت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 10/12/1948 حيث يتألف من ديباجة و (30) مادة تحدد حقوق الإنسان وحرياته الأساسية. ويمكن تقسيمها إلى مجموعتين رئيسيتين وهما الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويتميز الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عما سبقه من جهود دولية ووثائق ومواثيق أخرى بشموليته وعالميته. فقد جاء في إعقاب حربين عالميتين عانت البشرية من ويلاتها معاناة لا حد لها([1]).
شكل الإعلان منبعا أصيلا للجهود الداخلية والعالمية لتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها، وجسد الفلسفة الأساسية للكثير من الإعلان والمواثيق العالمية، ويعتبر الشجرة التي تفرعت عنها بقية أغصان حقوق الإنسان، حيث تفرعت ما لا يقل عن مئة زهرة من إزهار عبر تصريحات دولية. حيث أكد المؤتمر الدولي الأول لحقوق الإنسان والمنعقد في طهران سنة 1968 (أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يمثل تفاهما تشترك فيه شعوب العالم على ما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من حقوق ثابتة منيعة الحرمة. ويشكل التزاما على كاهل أعضاء المجتمع الدولي)([2]). إلا أنه بالرغم من كونه اليوم يعتبر جزئا من الشرعة الدولية وبالإضافة إلى كل هذه التأكيدات من لدن المجتمع الدولي على احترامه، فهناك دول عديدة تتعرض له وتنتهكه انتهاكا شديدا.
وجدير بالذكر، أن الحقوق الأساسية للإنسان، لها علاقة مباشرة مع كل فرد والأفراد الآخرين في المجتمع، لذا نستطيع القول بأنه لا يمكن لأي شخص أن ينال جميع حقوقه كاملة إلا في ظل نظام ديمقراطي حقيقي لان النظام الديمقراطي هو الذي يضمن تلك الحقوق لأفراد المجتمع([3]) ويضع الحدود لها.
في الواقع إن فكرة الحقوق الطبيعية والتي تضم حقوق الإنسان ظهرت من قبل مؤيدي المذهب الفردي في أوروبا، أثرت نظرية العقد الاجتماعي ومبادئ مدرسة الحقوق الطبيعية تأثيرا كبيرا على مؤيدي المذهب الفردي، وعلى هذا الأساس يحصل الإنسان على حريته وحقوقه، عندما يكون جنينا في بطن أمه ولحين اليوم الذي يولد فيه ويموت، لذا يعتبر مرتبطا بها([4]).
لذا فأن مؤيدي المذهب الفردي، يستندون إلى وثيقة الحقوق التي أصدرتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد استقلالها في مؤتمر (فيلادلفيا) عام 1776 وإعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي اعتمدته الثورة الفرنسية عام 1789 وكذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الأمم المتحدة عام 1948، وهذه الحقوق والحريات المرتبطة بالإنسان، وكما نعلم، تستند إلى نظرية الحقوق الطبيعية والقانون الطبيعي، كحرية الفكر والعقيدة والدين وحرية التعبير ….الخ([5])،ولا يحق لأي شخص أو أي جماعة أو دولة منع هذه الحقوق والحريات الأساسية، كما جاء في نص المادة/30 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأنه: (لا يجوز تفسير أي نص من هذا الإعلان بأنه يسمح للدولة أو الجماعة أو الأفراد أن يحق لهم إبداء أي نشاط أو عمل يؤدي إلى خرق هذه الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان)([6]).


