كتاب " الفكر النقدي وأسئلة الواقع "، تأليف باقر جاسم محمد ، والذي صدر عن دار مركز الكتب الاكاديمي ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
أنت هنا
قراءة كتاب الفكر النقدي وأسئلة الواقع
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
الفدرالية وأزمة الحكم في العراق
1. مقدمة
تعود بدايات الفكر السياسي في صيغته الناضجة إلى أفلاطون (ولد في العام 428 وتوفي في العام 347 ق. م.)، وذلك حين قدم في كتابه «الجمهورية» أولى التأملات الفكرية حول ما يجب أن تكون عليه الدولة. وقد شهدت البشرية منذ ذلك الحين كثيراً من الجهود في مجال تطوير النظرية السياسية وتطوير العقد السياسي والاجتماعي بما يؤمن أفضل علاقة ممكنة بين من يشغلون مركز السلطة من جهة ومكونات المجتمع من الناس كافة من جهة أخرى. ولعل المجال لا يتسع هنا لعرض شتى صور الفكر السياسي ومناقشتها لأن ذلك قد يتطلب مكتبةً كاملة. على إنه لا بد لنا من أن نعرض بشكل سريع لطبيعة التنظيم السياسي للدولة الحديثة ولبنيته القانونية، فنقول: تتشكل بنية التنظيم السياسي في أية دولة من دول العالم المعاصر على وفق أصول وعقائد مختلفة، وتتخذ صورا ً متباينة. ولذلك يمكن تقسيم الدول من حيث بنية النظام إلى نظام حكم ملكي ونظام حكم جمهوري. ومن حيث صورة أو أسلوب ممارسة الحكم إلى أنظمة دكتاتورية وأنظمة ديمقراطية. وهذه قد تكون ملكية أو جمهورية. وهناك أنواع متعددة للديمقراطية (ديمقراطية مباشرة، وديمقراطية شبه مباشرة، وديمقراطية نيابية، وديمقراطية توافقية)، ومن حيث تنظيم العلاقة بين السلطات الثلاث إلى النظم القائمة على الفصل والتوازن بين السلطات الثلاث وتلك التي تقوم على تداخلها. والحقيقة أن تداخل السلطات الثلاث يعني، بالنتيجة، تغليب السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية للنظام. وهناك تقسيم آخر بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني. وكذلك يمكن تقسيم النظم السياسية في الدول على وفق طبيعة العلاقة بين مركز الحكم والأجزاء أو الأقاليم إلى دول مركزية ولا مركزية وفدرالية وكونفدرالية. وبالنسبة للتقسيم على وفق العلاقة بين مركز الحكم والأجزاء والمكونات، نلاحظ بأن لكل نوع منها مزايا ومثالب.
ويمثل الدستور الوثيقة القانونية الأهم في التنظيم القانوني للدولة. فكل دولة حديثة تحتاج لدستور يحدد طبيعة هذه الدولة وشكل نظام الحكم فيها، كما يحدد علمها وعاصمتها ولغتها أو لغاتها والأسس الفكرية والسياسية لنظام الحكم فيها. والمسألة الثانية التي ينظمها الدستور هي السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية من حيث تشكيلاتها واختصاصاتها، وطبيعة العلاقة الدستورية فيما بينها، ويُنظم الدستور الحقوق والواجبات والحريات السياسية والمدنية بين الحاكم والمحكوم سواء على صعيد الفرد أو على صعيد مؤسسات المجتمع المدني. كما لا تصدر القوانين إلا إذا كانت موافقة للدستور بوصفه الشرعة القانونية العظمى التي يتم الاحتكام إليها في كل الأمور القانونية والتنظيمية للدولة. وهنا، نورد تعريفاً خاصاً بالدستور في الدولة الاتحادية ينصٌّ على أن الدستور الاتحادي «اتفاقية سياسية تقرٌّ صراحة بوجود المصالح المتضاربة بين الجماعات المشكلة للبلاد وتسمح لها بأن تبحث عما يناسبها مما يؤمن لها الفاعلية السياسية المريحة، وبدون تجاوز أصوات الأقليات وكذلك بدون استخدام القوة.» ونظراً لأن مثل هذه الاتفاقية السياسية لم تكتسب صورتها النهائية بعد في بلادنا رغم وجود الدستور الحالي الذي ينص على أن الحكم في العراق ديمقراطي إتحادي، فقد كانت هذه الورقة جهداً في البحث في صلب هذه القضية.
2. الفدرالية: أهي حل أم مشكلة؟
بعد احتلال العراق في 9/4/2003، ونظراً لانهيار نظام الحكم الذي كان قائماً وما أعقب ذلك من تفكك الدولة، كان لابد من البحث عن صيغة جديدة للحكم. وقد برز مفهوم الفدرالية (أو الحكم الاتحادي) في دائرة النقاش والجدل السياسي حين طرح بوصفه صيغة مقترحة للحكم في عراق المستقبل وبديلاً للحكم المركزي الذي ساد البلاد طويلاً. وذلك حين تبنته ما كانت تسمى بالمعارضة العراقية التي آلت إليها مقاليد الحكم. ولكن الأمر لم يخل من مشكلات أساسية واعتراضات جوهرية مهمة. فقد أثار بعض الباحثين والسياسيين كثيراً من اللغط حول المفهوم السياسي للفدرالية وطبيعة نظـام الحكم المستند إليه، وكذلك حول محاولة تطبيقه في العراق فقالوا:
1. أن الفدرالية تشكل نقيضاً للوحدة الوطنية العراقية لأنها ستقوم على أسس طائفية أو عرقية.
2. وأن الشعب العراقي غير مهيأ لخوض مثل هذه التجربة في الحكم.
3. وأن الظروف الدولية والإقليمية غير مناسبة لتطبيق النظام الفدرالي لأنه سيكون توطئة لتكوين كيانات ضعيفة تكتسب قوتها من بعض القوى الإقليمية أو الدولية المؤثرة في مواجهة الحكومة المركزية من جهة وحكومات بقية الأقاليم من جهة أخرى.
4. ولذلك كله، فإن تطبيق الفدرالية يمثل مقدمة عملية لتقسيم العراق.
ولعل هذه النقاط الأربع هي الأبرز مما يمكن استخلاصه من بين ما يردده الرافضون أو المتخوفون من تجربة الحكم الفدرالي أو الاتحادي. فهل هناك من أساس موضوعي لمثل هذه الاعتراضات أو المخاوف؟
قبل الإجابة على هذا السؤال لا بد لنا أن نبدأ بتعريف للفدرالية أو نظام الحكم الاتحادي فنقول: إن الفدرالية نظام للحكم يقوم على الاتحاد الطوعي والاختيار الحر بين الكيانات السياسية المكونة لشعب أو عدد من الشعوب فيكون هناك برلمان وحكومة مركزيان يسميان بالبرلمان الفدرالي والحكومة الفدرالية. ولهذه الحكومة سلطة على كامل البلاد في أمور محددة في الدستور، وحكومات محلية أو إقليمية لكل واحد من هذه الكيانات المرتبطة برقعة جغرافية معينة محلية بصلاحيات تنفيذية وإدارية واسعة وتساعد هذه الحكومة مجالس برلمانية محلية بصلاحيات تشريعية واضحة ومحددة في الدستور. ويحدد الدستور الاتحادي ويضمن حدود وطبيعة سلطات الحكومات والبرلمانات المحلية وحدود ومديات سلطات الحكومة الاتحادية والمجلس النيابي الاتحادي؛ كما ينظم العلاقة بين السلطات الاتحادية والإقليمية بشكل دقيق، وبما يمنع التضارب بين صلاحيات وسلطات المركز وصلاحيات وسلطات الأقاليم من النواحي التشريعية والتنفيذية والقضائية. ويعرف جوليان شوفيلد الفدرالية قائلاً: «إنها تقسيم دستوري للسلطة بين حكومة عامة واحدة لها السلطة على كامل أراضي البلاد، وعدد من الحكومات المحلية الممثلة للأقاليم المكونة للبلاد. وكل حكومة محلية تتمتع بقدر كبير من الاستقلال في ما يخص الإقليم الذي تحكمه.» ثم بورد تعريفاً مختصراً للفدرالية قائلاً بأنها «اتحاد غير قابل للتخريب لوحدات أو مكونات غير قابلة للتخريب.» وهذا يعني أن الكيان الاتحادي سيكون صلباً وغير قابل للتخريب لأنه مكون من وحدات، أو أقاليم، سليمة وصلبة لكونها غير قابلة للتخريب أيضاً. فهل أن وضع الكيانات التي يراد لها أن تكون الأقاليم الفدرالية غير قابلة للتخريب؟ ذلك ما سنحاول الكشف عنه لاحقاً.
ومن أهم مستلزمات نظام الحكم الاتحادي وجود محكمة دستورية اتحادية عليا تقوم بمراقبة أداء السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم وتفصل في الخلافات التي قد تنشأ نتيجة لتجاوز أي من الأطراف المذكورة أعلاه للصلاحيات والسلطات المنصوص عليها دستورياً. وتكون قرارات هذه المحكمة قطعية ولا سبيل للطعن بها. وتسهم مثل هذه المحكمة في تعزيز النظام السياسي وصيانة الدستور من الخرق كما تعزز من هيبة واستقلال السلطة القضائية. وتمثل أنظمة الحكم في ألمانيا والسويد والمملكة المتحدة وسويسرا والهند، على سبيل المثال لا الحصر، نماذج وصوراً مختلفة لنظام الحكم الاتحادي. وهي أنظمة حكم فدرالية وديمقراطية في آن واحد. أما الإمارات العربية المتحدة فهي تمثل تجربة خاصة من حيث كونها دولة فدرالية اتحادية دون أن تكون دولة ديمقراطية، ودون أن يكون ممكناً وصفها بالدكتاتورية. وقد يجوز لنا أن نصفها بأنها تجربة في الحكم الفدرالي تتطور نحو الديمقراطية خصوصاً وقد ذكرت الأخبار مؤخراً أن الانتخابات النيابية ستجري في الدولة قريباً. وهذا يعني أن الفدرالية نظام حكم متطور أخذت به أمم كثيرة وأنها كانت على الدوام مقترنة بالديمقراطية باستثناء حالة الإمارات وحالات التطبيق المزيف للفدرالية كما في حالة الاتحاد السوفيتي السابق مثلاً. فإذا كـان نظام الحكم المركزي يقترن في كثير من التجارب السياسية، وخاصة في عالمنا العربي، بالدكتاتورية فأن التجربة البشرية أظهرت أن الدكتاتورية لم تجد لها أرضا خصبة قط في البلاد التي تأخذ بنظام الحكم الاتحادي الحقيقي لا المزيف. وهذا ما يجعلنا نستنتج بأن الفدرالية إحدى الضمانات الأساسية لنظام الحكم الديمقراطي. ولكن إذا كانت الفدرالية هي الضمانة لعدم عودة الدكتاتورية للحكم في المركز فإن ذلك يدعونا إلى التأمل ملياً في الإجراءات الدستورية والتنظيمية لهيكل الدولة الاتحادية بما يمنع الممارسة الاستبدادية للسلطة على مستوى أي من أقاليم الدولة الاتحادية وبما يجعل من الفدرالية ضامنة أيضاً لعدم تكون سلطات محلية في الأقاليم ذات طابع دكتاتوري. ولعل هذا الأمر، على أهميته، لم يحض بالاهتمام الكافي في النقاشات التي تدور حول الفدرالية. ومن المهم أيضاً أن نشير إلى أن تعديل صيغة الحكم الاتحادي دستورياً ينبغي أن يتسم بالتوازن فلا يكون غاية في الصعوبة ولا غاية في السهولة مثل اشتراط حصول موافقة ثلثي الهيئة التشريعية الوطنية المحلية وثلاثة أرباع الهيئة الهيئة التشريعية على مستوى الدولة.
وينبغي لنا أن نؤكد أن اختيار نوع نظام الحكم المنشود في العراق حق أساسي من حقوق الشعب العراقي جميعه، وطبقاً لإرادته الحرة ودون تأثير أو ضغوط من أية جهة. لأن إنشاء عقد سياسي جديد بعد انهيار الدولة العراقية هو من صلب مسؤولية العراقيين كافة وهو حق من حقوقهم. ولهم أن يستفيدوا في هذا الشأن من تجربتهم مع نظام الحكم المركزي لمدة ثمانين عاماً. ولعل الجميع يتفق على أن الجوانب السلبية من تجربة الحكم المركزي في العراق لم تكن بالضرورة نتيجة الحكم المركزي بقدر ما هي نتيجة لافتقار ذلك الحكم إلى الديمقراطية خصوصاً بعد 14 تموز 1958. فليس كل نظام حكم مركزي يؤدي بالضرورة إلى الدكتاتورية. وعلى أية حال، فإن ممارسة هذا الحق لا تنفصل عن حقيقة مهمة وجوهرية إلا وهي أن اختيار طبيعة نظام الحكم الفدرالي مسألة ترتبط بجملة من المخاوف والهواجس التي قد تراود هذه الجهة أو تلك. ويمكن أن نجمل هذه المخاوف والهواجس في مضمون الأسئلة الآتية: هل هناك حاجة فعلية لتبني النظام الفدرالي في إنشاء نظام الحكم الجديد؟ وهل الفدرالية آلية مناسبة لحـل مشكلات الحكم، أم أنها قضية مثيرة للخلاف والجدل والصراع الفكري والسياسي الذي قد يؤدي إلى تقسيم البلاد في حال تم فرضه دونما مراعاة للظروف الخاصة التي يمر بها العراق حالياً؟ وهل تعبر الفدرالية عن قناعة لدى كل القوى السياسية الأساسية الفاعلة؟ وهل الظروف الإقليمية مناسبة للشروع بتطبيق هذا النظام؟
وفي حال كون اختيار نوعيه العقد الاجتماعي المعبر عنه بطبيعة الحكم المنشود في العراق لم ينته بعد لأن عملية تعديل الدستور لم تنجز، فإن مسألة خيار تطبيق الفدرالية لا يخص حزباً سياسياً بعينه أو مجموعة أحزاب دون إسهام الآخرين في القبول أو الرفض، دونما قسر أو تخويف، بالأخذ بالنظام الفدرالي. ومما يزيد الأمور تعقيداً، هو أن بعض الجهات التي تعارض الفدرالية وتقف منها موقفاً سلبياً توافق على تطبيقها في أقليم كردستان دون بقية أجزاء العراق زعماً منها بأن الوضع في كردستان له خصوصيته. وهنا نواجه بمشكلة أساسية، إلا وهي أن الحقوق السياسية التي تمنح لجزء من البلاد لا ينبغي أن تحجب عن بقية أجزاء البلاد إلا بالموافقة الحرة لمواطني تلك الأجزاء.


