كتاب " الفكر النقدي وأسئلة الواقع "، تأليف باقر جاسم محمد ، والذي صدر عن دار مركز الكتب الاكاديمي ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
أنت هنا
قراءة كتاب الفكر النقدي وأسئلة الواقع
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
العلمانية والدولة والمجتمع
حوار متخيل مع المفكر علي الوردي
في هذا الحوار المتخيل، حاولت أن أصنع أمراً شبيهاً بما فعله أفلاطون مع سقراط، مع الفارق بالطبع، فأجريت حواراً مع الأستاذ الدكتور المرحوم علي الوردي الذي غادرنا منذ ما يزيد على عقد من السنين. وهذا الحوار لا يجري على نسق المحاورة الأفلاطونية من حيث وجود عدد من المتحاورين المختلفين فضلاً عن سقراط نفسه الذي يستثمر قدراته الفذة في تغليب إحدى وجهتي النظر على الأخرى. وإنما اتخذ صيغة لقاء صحفي بين الكاتب والمرحوم علي الوردي. وقد يقول قائل: لكن سقراط قد مات ولم يترك كتاباً مدوناً، فقام أفلاطون بجعله المحاور الرئيسي في محاوراته المعروفة. أما الوردي فإنه مؤلف معروف، وله كتب ما زالت تطبع حتى هذه اللحظة. فما المسوغ لما فعلت؟ فأقول: كان علي الوردي شخصية عامة مهمة. ولا شك بأن مؤلفاته، ولا سيما (وعاظ السلاطين)، و(مهزلة العقل البشري) و(أسطورة الأدب الرفيع) و(لمحات اجتماعية) بأجزائه الخمسة تمثل ثروة فكرية ممتازة قد تجعل الاستنارة بفكر صاحبها أمراَ سائغاً. ونظراً لأن العراق يعيش حالة تشبه حالة أثينا في زمن أفلاطون، فإن من الجائز أن نستحضر فكر هذه الشخصية العراقية الأصيلة ونسألها عن واقعنا الراهن وقضاياه الرئيسية التي استحدثها التطور التاريخي المعقد بعد وفاته. ومن المهم هنا أن أعيد التوكيد على أنني وإن كنت قد حاولت أن أستقرئ واستلهم ما عرف عن الدكتور الوردي من آراء، إلا أنني لم أتوقف عندها. ولذلك فأنا مسؤول مسؤولية كاملة عما ورد في هذا الحوار من آراء جملة وتفصيلاً.
الحوار الافتراضي
السؤال الأول: ما هو مفهوم العلمانية؟ وما هي أهميته؟ وما هي الأسس الاقتصادية والاجتماعية والفكرية التي يجب أن تتوفر لإشاعة العلمانية وترسيخها؟
الدكتور الوردي: بداية، أود أن أبين بأنني أميز تمييزاً واضحاً بين نمطين من العلمانية: النمط الأول سلبي ومدان لنتائجه الكارثية، وتمثله العلمانية الشمولية كما تجسدت في أنظمة الحكم: النازي في ألمانيا والفاشي في إيطاليا والنسخة الستالينية من الشيوعية والأنظمة الشمولية في المنطقة العربية وبعض دول المنطقة الأخرى. وهذه النماذج تمثل، في تقديري، أسوأ أشكال الحكم لأنها تستبدل الاستبداد باسم الدين بالاستبداد باسم أيديولوجيا شمولية من نوع ما، قد تكون قومية أو ماركسية أو حتى نسخة مذهبية من الإسلام. وهي، بالطبع وبحكم تكوينها البنيوي، تنزع إلى تقديس الحزب في البداية ثم سرعان ما تتحول إلى تقديس الفرد وجعله معياراً أوحد للممارسة السياسية. ولذلك فإن هذا النمط من العلمانية يرتبط بالنتيجة ارتباطاً وثيقاً بالدكتاتورية وبالاستبداد. والنمط الثاني إيجابي وصحيح وله نتائج طيبة على الصعد الداخلية كافة، وتمثله العلمانية الديمقراطية، كما هو الحال في فرنسا بعد هدوء بركان الثورة وانتهاء مرحلة روبسبير وبونابرت وحتى الآن، وكما يتجلى هذا النمط في أنظمة الحكم في السويد وبريطانيا واليابان وسويسرا والهند والبرازيل. مع ضرورة التنويه بأن هذا التقويم يستند إلى الممارسة السياسية الداخلية تحديداً، ولا يشمل ممارسة الأنظمة العلمانية خارج حدود البلاد التي تحكمها لأن ذلك حديث آخر قد تتساوى فيه الأنظمة العلمانية الشمولية وبعض من الأنظمة العلمانية الديمقراطية. وأعتقد بأن هذه العلمانية الديمقراطية هي المقصودة في سؤالكم. وهي ما سوف ينصرف إليه كلامي في الأجوبة على الأسئلة اللاحقة.
إذن، فالعلمانية الحرة والحقيقية مفهوم سياسي يتعلق بحسم مسألة الدور السياسي للدين في المجتمع والدولة، وذلك بجعل الدين شأناً شخصياً بين الفرد وخالقه، بين الإنسان والسماء من جهة، وجعل السياسة شأناً مختصاُ بقضية السلطة وعلاقة الإنسان بالإنسان في نطاق الدولة والممارسة السياسية بين الحاكمين والمحكومين من جهة أخرى. ودون أن يكون معنى ذلك التقليل من شأن الدين مطلقاً. كما أن هذا المفهوم يرتبط على نحو وثيق بنظام للحكم ذي جوهر ديمقراطي حقيقي. وبهذا المعنى فإن العلمانية مكسب إنساني مهم لم يتحقق إلا بعد تضحيات جسيمة وتجارب مريرة قدمتها شعوب الأرض كافة؛ حتى ليمكن القول إن العلمانية هي أحد أهم أشكال التعبير عن نضج التجربة السياسية الإنسانية. ولعل مراجعة سريعة لتاريخ البشرية المدون تظهر بما لا يدع مجالاً للشك بأن واحداً من أهم أسباب الحروب الداخلية في نطاق الشعب الواحد والحرب بين الشعوب هو استغلال الدين في السياسة لأن المصالح والأهواء البشرية والتفسيرات المختلفة قد استغلت وتستغل الدين وتلبست وتتلبس دعاواه. وقد وصل الأمر، في حالات كثيرة، إلى أن الشعب الواحد قد يتقاتل في حرب أهلية طاحنة باسم الدين كما هو الحال في الحرب بين اللبنانيين بكل طوائفهم في الأعوام 1975-1980، أو باسم الطائفة كما هو الحال بين الإيرلنديين الكاثوليك والبروتستانت. وعموماً يمكن القول بأن دور الدين في أوروبا قد ارتبط بسيطرة الكنيسة البابوية والأرثوذكسية على السلطة السياسية بالرغم من وجود ملوك وأباطرة، فكان للبابا رأي حاسم في تعيين وعزل الملوك والأمراء. أما في البلاد الإسلامية، وبعد وفاة الرسول محمد (صلعم)، فقد كان الحكم باسم الدين دون أن يكون رجل الدين نفسه حاكماً. ولذلك كان هناك خلفاء يمثلون السلطة السياسية، وفقهاء يمثلون السلطة الروحية و/ أو التشريعية. وعلى اية حال فإن هاتين السلطتين تؤولان إلى قبضة واحدة هي قبضة ولي الأمر. والسلطة التشريعية لم تكن تعني ما نفهمه في أيامنا من مصطلح السلطة التشريعية، وإنما كانت سلطة تشمل الإفتاء في العبادات والمعاملات وممارسة قضاء. ولم يكن مسموحاً لها مطلقاً أن تجتهد بما يخالف رأي ولي الأمر، وهو الحاكم السياسي، أو أن تبحث في مسألة الخلافة وشروطها بما لا يتفق مع تفسير ولي الأمر. ومع ذلك فقد حرص الخلفاء على أن يحكموا باسم الدين. وفي حالات معينة ومحدودة كان بعضهم لا يلتزم بتعاليم الدين. ونضيف هنا أمراً آخر، ألا وهو أن مراجعة بسيطة لتاريخنا تظهر أن حروبنا الداخلية، وهي كثيرة، قد كانت في الأغلب ذات طابع مذهبي استغل فيه الدين لستر المطامع السياسية الدنيوية. وقد أراقت هذه الحروب دماءً غزيرة جداً.
أما الأسس الاقتصادية والاجتماعية والفكرية للعلمانية فإن الاقتصاد الحر القائم على المبادرة الفردية واحترام الملكية الخاصة (وإن كان هذا الاحترام لا يعني غياب دور الدولة في ضمان التوازن الاجتماعي بين مختلف طبقات الشعب) والمجتمع المدني والنظام السياسي القائم على الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وعلى التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة عن رضا وقناعة ودون قسر، فضلاً عن حرية الاعتقاد السياسي للأفراد والجماعات ووجود قاعدة شعبية عريضة للثقافة الديمقراطية، والفكر السياسي الحر الذي يتسم بمرونة أيديولوجية فعلية، والقبول بالآخر، وكذلك وجود منظمات للمجتمع المدني، وتعدد منابر التعبير الحر والصحافة الحرة، ووجود للأحزاب السياسية التي تبني فلسفتها السياسية على أسس ديمقراطية وتمارس الديمقراطية في حياتها الداخلية، وليس الأحزاب التي تدعو للديمقراطية دون أن تطبقها في حياتها الداخلية، وكذلك ضمان حرية المرأة ومساواتها مساواة حقيقية بالرجل، هذه هي، في رأيي، أهم وأنسب الشروط التي تجعل من العلمانية ممكنة على أرض الواقع. وهي شروط قد تبدو مثالية في ظرف العراق الراهن. لكنها تمثل الأسس السليمة لبناء دولة بنظام سياسي علماني حقيقي.


