كتاب " الفكر النقدي وأسئلة الواقع "، تأليف باقر جاسم محمد ، والذي صدر عن دار مركز الكتب الاكاديمي ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
أنت هنا
قراءة كتاب الفكر النقدي وأسئلة الواقع
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
الدكتور الوردي: كما قلت سابقاً فإن العلمانية هي ثمرة تطور بطيء للتجربة السياسية البشرية منذ أقدم الأزمنة التي عرفت أول أشكال الحكم البدائية في بلاد ما بين النهرين، ومن ثم المجتمعات التي عانت من العبودية والإقطاع وسيطرة رجال الدين وصولاً إلى المجتمع الحديث. كما أن العلمانية ثمرة تطور الفلسفة السياسية المستمدة من ذلك التقدم الذي كان ثمنه فادحاً. وإذا اتفقنا على أن التجربة والوعي، أو الممارسة والفكر هما ما يدفع الإنسان إلى المراجعة والتأمل والنقد العقلانيين ومحاولة تطوير تجربته السياسية، وبأن الأفكار لا تولد من فراغ وإنما هي نتيجة الصيرورة والتطور الاجتماعيين، فإن الارتباط بين مستوى نضج التجربة السياسية البشرية في الأزمنة الحديثة وتقدم الفلسفة السياسية هو الذي فرض مثل هذا الاقتران بين العلمانية والدولة الحديثة. كما أن العلمانية هي التعبير الحقيقي والإطار الفكري السياسي الشامل الذي يضم كل تكوينات المجتمع المدني والمنظمات الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة. وبما أنه لا يمكن تصور وجود مجتمع فيه ممارسة ديمقراطية حقيقية ويتمتع فيه الناس بحقوق الإنسان كما أقرَّتها الأمم المتحدة دون أن يكون ذلك المجتمع في إطار دولة علمانية، جاز لنا القول بأن المجتمع المدني وضمان حقوق الإنسان يمثلان أساسين مهمين من أسس الدولة العلمانية. كما يمكن لنا أن نستنتج بأن العلمانية الشمولية هي مسخ لمفهوم العلمانية الحقيقية، لأنها قد تسمح بوجود منظمات مجتمع مدني مفرغة من محتواها الحقيقي فقط. وهي منظمات مشوهة وتمثل أذرع أمنية للسلطة الدكتاتورية القائمة، ومهمتها إسكات الأصوات المعارضة حتى على المستوى المهني والنقابي. ولذلك كله فهي تجربة مدانة سياسياً وأخلاقياً. وهي نمط مشوه من العلمانية ينبغي الحذر الشديد من عودتها تحت أية لبوس أو مزاعم وبأية قيادات أو زعامات جديدة. وهنا ينبغي التنويه بأهمية أن يأخذ النشاط الفكري والسياسي المستقل دوره الإيجابي في تفعيل دور منظمات المجتمع المدني، وأن لا يقتصر الأمر على الأحزاب السياسية القديمة أو الحديثة التكوين.
السؤال السابع: هناك من يقول بأن العلمانية مفهوم غربي لا يصلح لمجتمعنا لأنه غير نابع من ثقافتنا وتجربتنا الحضارية. فكيف ترى ذلك؟
الدكتور الوردي: لا يمكن لأحد أن ينكر وجود خصوصيات فكرية ثقافية لكل مجتمع، ومنها مجتمعنا العراقي. ولكن أيضاً لا يمكن لأحد أن يزعم بأن على المجتمعات أن تنغلق على تجاربها الذاتية وتجترها، دون أن تأخذ أو أن تعطي. ولعل أهم مميزات المجتمع العربي الإسلامي في مرحلة ازدهاره أنه أخذ من الآخرين وأعطاهم دونما عقد أو حساسيات لأنه شعر بحاجته الماسة إلى ما لدى الآخرين فأخذ منه. وقد حصل كل ذلك في عصر كان ما يحدث في مراكش لن يصل خبره إلى بغداد إلا بعد أسابيع، وذلك لتخلف سبل المواصلات والاتصالات و وسائل نشر المعرفة. أما الآن، وبعد أن حقق العالم هذه الدرجة من ثورة الاتصالات التي جعلت التواصل ميسوراً وسهلاً بحيث صار العالم قرية كونية يعلم كل فرد فيها بما يدور في شتى أصقاع الأرض لحظة حدوثه وكأنه شاهد عيان للحادث، فإن فرز ما هو محلي عما هو عالمي لم يعد بهذه السهولة. كما أننا لا نستطيع أن نتقبل نظاماً سياسياً غير واضح المعالم، أو هو عرضة للاختلاف العميق بشأن سياسة الدولة بزعم أنه منبثق من حضارتنا ونرفض آخر يمكن أن يصلح من شأننا ويحقق العدالة الاجتماعية والحرية السياسية بزعم أنه لم يكن نتاج حضارتنا وإنما هو مجلوب من حضارات العالم الأخرى. وهنا يمكن أن استشهد بحديث يردده كثير من رجال الدين هو «الحكمة ضالة المؤمن، أنـَّى وجدها فهو أولى بها . وهذا يعني أن لا مجال للدفع ببطلان فكرة ما لكونها ليست نتاج حضارتنا، وإنما الحجة الوحيدة المقبولة هي لا عقلانية الفكرة نفسها. ولا أعتقد بأن أحداً قد زعم بأن العلمانية الديمقراطية ليست عقلانية أو أن لها نتائج ضارة. كما أن الأفكار اكتسبت الآن صبغة عالمية شئنا ذلك أم أبينا. وهنا أرجو الانتباه إلى أنني لا أروج للعولمة في نسختها الأمريكية أو الأوروبية. ذلك أن علماء الفكر السياسي في العالم، وبينهم علماء مسلمون وعرب وعراقيون، يدرسون كل النظريات بحثاً عما هو صالح لمجتمعاتهم. ولكن رغم ذلك لا بد من القول بأن الواقع العربي والعراقي ما زال متردداً في قبول الفكر العلماني بالمعنى الذي أوضحته. وهو يطرح نوعاً من المقاومة للفكر السياسي العلماني لجملة أسباب ذكرناها سابقاً. وهذا الوضع المعقد والصعب هو ما يجعل مهمة من يتصدون للمنافحة عن الفكر العلماني الحقيقي شاقة وتتطلب منهم عملاً وصبراً كبيرين. ذلك أن عملهم هو نوع من التأسيس لنهضة فكرية تنويرية ثانية بعد انكفاء النهضة التنويرية الأولى..
السؤال الثامن: أستنتج مما قلت أنك متشائم من الوضع الراهن. فكيف تنظر إلى قولي هذا؟
الدكتور الوردي: في القضايا التي تتعلق بالتحولات الاجتماعية، لا بد أن يكون الموقف الفكري للمثقف موضوعياً وبعيداً عن موقفين كلاهما مغلوط، وأعني بهذين الموقفين: التهوين من شأن السلبيات وما يرتبط به من تفاؤل مفرط،، والتهويل من شأنها وما يرتبط به من يأس عميق. لذلك فإن وجهات النظر التي قدمتها تمثل رؤيا شخصية للمسألة تستجيب لهذا الوصف. فهي إذن رؤيا تصف واقعاً بعينه، وتحاول رسم ملامح مستقبل مأمول. وهي بهذا المعنى أقرب للتفاؤل منها إلى التشاؤم.
أليس كذلك؟


