أنت هنا

قراءة كتاب الفكر النقدي وأسئلة الواقع

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الفكر النقدي وأسئلة الواقع

الفكر النقدي وأسئلة الواقع

كتاب " الفكر النقدي وأسئلة الواقع "، تأليف باقر جاسم محمد ، والذي صدر عن دار مركز الكتب الاكاديمي ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 8

3. 2. مصطلح القانون في بعض العلوم الإنسانية

يختلف الأمر كثيراً عند استعمال مصطلح القانون في العلوم الإنسانية التي تدرس الظواهر البشرية. لأننا هنا نتحدث عن ظواهر نحن جزء منها، بمعنى أننا نلاحظ الظاهرة بعينين: واحدة خارجية عند مشاهدة الظاهرة كما تتجلى لنا وللآخرين بوصفنا راصدين خارجيين، وأخرى داخلية لأننا ندخل تصوراتنا القبلية، الدينية والأيديولوجية والسياسية عن أنفسنا وعن علاقاتنا بالعالمين الطبيعي والاجتماعي المحيطين بنا ضمن فهمنا للظاهرة، (و لعل من المؤكد أنني أفعل شيئاً مما ذكرته تواً في هذه اللحظة) وبما يؤثر على الصفة العلمية لاستنتاجاتنا وبما نزعم من وجود موضوعي لنظريات و«قوانين» تنتظم الظاهرة. كما تتصف هذه الظواهر الإنسانية بكونها غير قابلة للتكرار من جهة وهي عصية على التقنين التام والدقيق للعوامل الكثيرة المؤثرة فيها منذ البدء. وأيضا ً لوجود عوامل مؤثرة في الظاهرة قد تتلاشى أثناء فحصنا لها وأخرى تدخل على مسار فحص الظاهرة أثناء ذلك. ذلك الفحص الذي يأخذ زمناً طويلاً في العادة،. ولنلاحظ كذلك أننا لا نكاد نتحدث عن تجارب بل عن مشاهدات لحالة حيوية في صيرورتها وتجددها. وهي مسألة تجعلنا نقرر بأن كثرة العوامل الفاعلة والمؤثرة فيها وعدم إمكان حصرها بدءاً وانتهاءاً لا تجعلنا قادرين على معرفة مقدار تأثير كل عامل منها على حدة. وكل ذلك يقلل إلى أدنى حدٍ من إمكانية القطع بأن ظاهرة إنسانية ما يمكن أن تتكرر على نحو بعينه ناهيك عن الزعم بوجود قوانين لها صفة الشمول تنتظم الحراك الاجتماعي وظواهره التاريخية. وكما اختلفت جزئياً دلالة مصطلح «القانون» بين الفيزياء والرياضيات فإن دلالة هذا المصطلح تختلف بين علم اجتماعي إنساني وآخر على نحو أكبر، وذلك آخر فضلاً عن اختلافها بعداً أو قرباً عن دلالة المصطلح في العلوم الطبيعية.

ففي علم الاقتصاد نتحدث عن قانون العرض والطلب من حيث ثبات واطراد الظاهرة المشاهدة في الماضي والحاضر والمستقبل. وأية مشاهدة أو دراسة لاحقة ستعمل على تعزيز منطق هذا القانون الاقتصادي مع إمكانية ضئيلة جداً لحدوث شذوذ عن ذلك المنطق. وبالرغم من نقطة الاختلاف هذه في دلالة مصطلح القانون بين الفيزياء والاقتصاد، إلا أنه يظل أقرب من حيث الدلالة والمهاد المفهومي إلى دلالة القوانين بالمعنى الذي تستعمله العلوم الطبيعية لموضوعيته وشموله.

أما في حقل علم القانون، وهو ما يدرس في كليات القانون، فإن هذا المصطلح يكتسب دلالات متعددة ومختلفة تماماً. فالقانون الدستوري مثلاً يقتصر في دلالته على تنظيم الدولة وأسلوب ممارسة السلطة والعلاقة بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم والموازنة بين الحقوق والواجبات وعلى ضرورة أن تصدر القوانين التنفيذية والتفصيلية بما لا يتناقض مع جوهر الدستور ونصوصه. فهو إذن ليس وصفاً لظاهرة موجودة بقدر ما هو توصية بما يجب أن يكون. وإذا كانت القوانين الدستورية تختلف بين دولة وأخرى، فإنه لا ينبغي أن يكون القانون الدستوري لدولة ما منسوخاً من القانون الدستوري لبلاد أخرى. لأن القانون الدستوري نتاج لتجربة بعينها عاشتها تلك البلاد فإن ذلك لا ضمان قط أن الأمور في المجتمع الذي يتبنى مثل هذا الدستور سوف تسير على السياق نفسه الذي مرَّ به المجتمع الذي اُخذ عنه الدستور. أما في القانون الجنائي فنحن لسنا بصدد تبيان كيفية الحدوث الحتمي للجرائم التي قد توصف في مواد القانون وفقراته بقدر ما نحن بصدد صوغ النصوص التي تجرم وتحدد العقوبات لتلك الجرائم من أجل الحيلولة دون ارتكابها مستقبلاً. وقل مثل ذلك عن القانون التجاري الذي يحدد العقود وما يترتب عليها من حقوق والتزامات بين المتعاقدين كما ينظم أسلوب ممارسة المهن. من هنا نلاحظ أن دلالة القانون في علم القانون تنصرف إلى تحديد المباح أو ما يجب أن يكون، وغير المباح أو ما لا يجب أن يكون. ومن الطبيعي أن المباح وغير المباح لا يتطابقان بالضرورة بين مجتمع وآخر. لذلك فمصطلح القانون في حقل علم القانون ينطوي على سمة النسبية التي تجعل منه أقرب إلى مفهوم القواعد المنظمة لحياة كل مجتمع على حدة. وحتى مبادئ ما يسمى بالقانون الدستوري أو المدني، وهي ما يصطلح عليه بالقواعد القانونية، تختـلف كليا عن مفهوم القانون في الفيزياء أو في الاقتصاد بسبب من صفة النسبية المتأصلة فيها.

ونلاحظ الآن أن هناك الكثير مما يجمع بين دلالة مصطلح القانون في العلوم الطبيعية وبعض قوانين الاقتصاد من مثل تكرار الظاهرة المقننة والعموم في الدلالة زماناً ومكاناً ومجتمعاً، وندرة أو انعدام حالات الشذوذ، أما من حيث الوظيفة فإننا نلاحظ أن وظيفة القوانين في مثل هذه العلوم هي زيادة فهمنا للظواهر المشاهدة أو المفكر بها على نحو يمكننا من السيطرة على تلك الظواهر. فدلالة القانون هنا لا تشمل حالة أو معنى ما مرغوب فيه أو آخر غير مرغوب فيه؛ إنما هي تصف ظواهر متكررة الحدوث بالكيفية نفسها. أما دلالة مصطلح القانون في علم القانون فهي مختلفة تماماً إلى الحد الذي يجعلها تنصرف إلى أمور دستورية وتنظيمية وعقابية ذات وظيفة اجتماعية وتاريخية. والسمة الجوهرية الأخرى التي تميز بين دلالة مصطلح القانون بين العلوم الطبيعية والإنسانية هو أن القانون في حالة العلوم الطبيعية لا يكاد يخضع للتأويل، بمعنى أنه قطعي الدلالة دائماً؛ أما في العلوم الإنسانية فإن إمكانية التأويل تكاد تشمل القوانين كافة حتى كأن علم التأويل hermeneutics يجد في «القوانين» الاجتماعية ساحة ممتازة لإظهار براعته وجدواه.

3. 3. مصطلح القانون في الدراسات التاريخية

والآن، كيف يمكن أن نحدد المهاد المفهومي والدلالة الاصطلاحية لمصطلح القانون في حقل الدراسات التاريخية؟ وهل تسمح وقائع التاريخ الملموسة لمجتمع ما في حضارة، ما في زمن ما، بأية إمكانية لاستنباط «قوانين عامة يمكن تطبيقها على بقية المجتمعات؟ وهل يجدي إضفاء كلمة «قانون على حوادث تاريخية بعينها في جعلنا قادرين، وبأية درجة من درجات اليقين، أن نقرر باطمئنان بأن هذه الحوادث ستتكرر حتماً وبالكيفية نفسها في المستقبل في مجتمعات وأماكن أخرى؟

بداية نقول أن من يذهبون إلى نفي وجود القوانين إلى حد الجزم بأنه «لا يمكننا التنبؤ بمستقبل سير التاريخ الإنساني» (أنظر بوبر بؤس الأيديولوجيا: ص 8) يستندون في ذلك على مجموعة حجج لعل من أهما عدم انطباق دلالة مصطلح القانون بالمعنى المعروف في العلوم الطبيعية على مصطلح القانون في العلوم الاجتماعية وبخاصة التاريخية منها. فهم إذن يستعملون مصطلح القانون بالمعنى نفسه الذي نجده في بقية العلوم الطبيعية. ولكن مصطلح القانون قد يتخذ شكل إطار عام لتفسير حركة التاريخ. فمثلاً يقرر المؤرخ آرنولد توينبي (1889-1975) بأن القانون في التاريخ هو دورات النكوص والصعود للأمم والحضارات نتيجة لمنطق التحدي والاستجابة. ولكن، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أثبتت التجربة المريرة أن العرب مثلاً لم يكونوا يمتثلون لهذا المنطق أو القانون على الرغم من كونهم قد اطلعوا عليه وترجموه إلى العربية؛ وعدّوه فكرة مهمة مثلت بالنسبة لهم أملاً عزيزاً على أنفسهم فكانوا أكثر احتفاءً به وتهليلاً لـه من البريطانيين أنفسهم! كما لم يستجب لـه أغلب الأفارقة الذين ارتكس لديهم حلم التقدم بعد الاستقلال فتحول هذا الحلم إلى حروب أهلية طاحنة! فلماذا لم ينطبق قانون التحدي والاستجابة في هاتين الحالتين!؟ وقد يقول ماركس بأن القانون هو الصيرورة التاريخية «التقدمية» (و التقدمية، كما نعلم، صفة تقويمية. والصفات التقويمية ليس لها وجود قط في القوانين العلمية) من المشاعية البدائية إلى العبودية إلى الإقطاع إلى الرأسمالية إلى الاشتراكية فالشيوعية بفعل التناشز أو التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج (دون أن ينسى طبعاً أن يشير إلى نمط الإنتاج الآسيوي بوصفه سياقاً مختلفاً عن السياق الأوربي للتطور التاريخي وموازياً له). وأن محرك هذه الصيرورة التاريخية هو الصراع الطبقي الذي تقوده في المرحلة الرأسمالية الطبقة العاملة. ولكن هل كان بإمكانه، حتى لو عاش كفاية ليشهد ما شهدناه، أن يفسر لنا السبب في عدم نضوج الظروف الموضوعية لقيام الطبقة العاملة بثورتها المأمولة حتى الآن!؟ أو لماذا فشلت التجربة الاشتراكية في بلدان بعينها‍‍!؟ ‍‍ أشك في ذلك لأن من أخطأ مرة قد يخطئ مرة أخرى.

وقد يرى د. برهان غليون، وهو ممن يرد مصطلح القانون صراحة في كتاباته الممتازة، أن حركة المجتمع وتطوره تخضع لقوانين حركة يمكن أن تدمج في «قانون عام يشمل حركة المجتمع ككل». (غليون، اغتيال العقل: ص 39)، سعياً منه إلى تفسير «وجه من وجوه حركة التاريخ الاجتماعي» محولاً فكرة صحيحة استمدها من بحث معمق وأصيل في مسألة «تطور الثقافية» إلى قانون دون الالتفات إلى أكثر سمات مصطلح القانون أهمية. وهو ما يجعلنا نقبل كثيراً من تحليلاته دون أن نتـفق معه على أن النتائج التي توصل إليها ترقى إلى مصاف القوانين.

4. خاتمة

يظهر الفحص المعرفي لدلالة استعمال مصطلح القانون في حقل الدراسات التاريخية، وبعد قراءة مدققة ومركزة للمهاد المفهومي للمصطلح نفسه في العلوم الطبيعية والإنسانية ودلالاتها الاصطلاحية، أن هذه الدلالة بعيدة كل البعد عن الاستجابة للتوصيف العلمي لمصطلح القانون. فهي قد تعبر عن رغبات وتصورات وانحيازات مسبقة وتنبؤات. فما يسمى بالقوانين التاريخية لا يتطابق مع أهم حدود مصطلح القانون العامة إلا وهي: العموم، والوصفية، والموضوعية، ووجوب تكرار الظاهرة موضوع القانون دون أية حالات شذوذ، وعدم وجود قوانين متضاربة لتفسير الظاهرة نفسها، وقلة أو انعدام إمكانية تأويل القوانين. وبذلك يمكن لنا أن نستنتج بثقة أن «القوانين» التاريخية تنتسب إلى حقل الأيديولوجيا عن جدارة. فأنا حين أقرر بكامل الاطمئنان أنه «إذا غمر جسم ما في مائع ما فإنه يفقد من وزنه بقدر وزن المائع المزاح»، فلن ينظر إلى أحد، بعد أن يتحقق من مطابقة الواقعة الملاحظة مع ما قلته مذهولاً ويقول لي: يا لك من متنبئ عظيم!

لأنه ببساطة يعرف جيداً أنني أقرر قاعدة معروفة وصحيحة دائماً قالها أرخميدس في القرن الثالث قبل الميلاد. أما إذا قلت، وبعد دراسات مستفيضة، بأن السياق المستقبلي للتطور سيكون على نحو بعينه ثم جاءت الأحداث لتثبت جزئياً أو كلياً صحة ما قلته فأن من حق أي فرد أن يصف ما قمت به على أنه نبوءة صدقت، وليس لـه أن يزعم بأن ما قلته قانون أثبتت صحته الأحداث. تلك الأحداث التي ربما لن تتكرر مطلقاً. وهذا يعني أن مهمة دراسة التاريخ البشري ما زالت بعيدة عن التوصيف العلمي الموضوعي. فكل ما لدى المؤرخ من وسائل، كما يقول لوسيان جولدمان، ينحصر في النزاهة والنظرة الشمولية والروح النقدية والإخلاص في العمل ناهيك عن الفطنة والذكاء دون أن تكون القوانين من ضمن وسائله (جولدمان، العلوم الإنسانية والفلسفة: ص 50). أما ما يصوغه المؤرخ من استبصارات فهو نوع المقولات التفسيرية التي تساعدنا على فهم التجربة البشرية السابقة على نحو قد يجعلنا أكثر حنكة وموضوعية حين نعالج المشكلات التي يطرحها الواقع الراهن وقد يمكننا من تجنب مواضع الزلل في المستقبل. ولعل هذا النهج الفكري هو الذي كان وراء الجهد العلمي الذي قدمه المؤرخ بيتر جران، وهو من أتباع المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي، في كتابه الذي حاول فيه أن يؤسس لنظرية جديدة في تفسير التاريخ اعتماداً على تحليل أسلوب ممارسة السلطة والحكم ليقرر، بعد فحص دقيق لنظم الحكم، أن التطور التاريخي قد أفرز طرائق أربع. وهذه الطرق هي الطريق الروسي، والطريق الإيطالي، والطريق القبلي الأثـني، كما يتجسد في ألبانيا والكونغو البلجيكية، وأخيراً الطريقة الديمقراطية البرجوازية كما تتمثل في بريطانيا وأمريكا. والملاحظ أنه لم يزعم أن لرأيه هذا صفة القانون. وقد توصل في نهاية دراسته المطولة هذه إلى أن الجدل/ الديالكتيك/ الحديث الحقيقي للمجتمع الحديث لمَّا يوضع بعد» (جران 1996: ص 658) وهذا يعني أنه لا وجود لحتمية تاريخية. إذ حتى مع الترخص في فهم دلالة مصطلح القانون تظل المهمة الشاقة للكشف عن طبيعة التطور التاريخي للمجتمعات بحاجة إلى مزيد من البحث والاستقصاء لأنها مهمة غير منجزة. وكل ما يمكن أن يقدمه التاريخ لنا، حتى الآن، هو معرفة مفيدة في توقع احتمالات المستقبل. أما القول بأن التطور التاريخي مرسوم سلفاً على وفق إرادة عليا أو عقل كلي فإن ذلك يعني الانتقال من محاولة الفهم العلمي للتاريخ إلى المنطق الديني أو منطق الإيمان. وهنا أيضاً لا وجود للقوانين بالمعنى العلمي؛ لأن ما يجري في المستقبل، على وفق التصور الديني، هو في علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. وبذلك تفقد دراسة التاريخ أهم مسوغاتها. أعني الزعم بأنها تسعى إلى جعل الإنسان على قدر من المعرفة يمكنه من التحكم بصيرورة مستقبله. ولعل فقدان هذا المسوغ هو السبب في اقتصار الدراسات التاريخية العربية عموماً على التدوين التاريخي، أو التأريخ بإثبات الهمزة، أو ما يسمى historiography بالإنجليزية دون دراسة التاريخ وتفسيره. والاستثناء المهم لهذا القول هو أبن خلدون في مقدمته الشهيرة لكتاب (المبتدأ والخبر) التي فاقت في أهميتها ما دونه من تأريخ في المتن.

أليس كذلك؟

الصفحات