كتاب " فلسفة الأخلاق عند الفارابي " ، تأليف د. ناجي التكريتي ، والذي صدر عن دار دجلة ناشرون وموزعون ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
أنت هنا
قراءة كتاب فلسفة الأخلاق عند الفارابي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
لاشك أن الفارابي منطقي كبير ورياضي ممتاز أنه لو لم يكن رياضياً كبيراً، لما استطاع كتابة كتابه الشهير (الموسيقى الكبير)، أما المنطق فأنه كان استاذ فلاسفة بغداد، حتى أن تلاميذه قد اشتهروا باسم مناطقة بغداد من بعده، مثل يحيى بن عدي التكريتي وأبو سليمان المنطقي وابن زرعة وابن الخمار وغيرهم.
ربما كان الفارابي قد درس الطب، لكنه لم يحترف الطب. المهم القول، أن الفيلسوف ينبغي أن يدرس الطب وباقي العلوم، إضافة إلى دراسة اللغة والأدب. بعض الفلاسفة مارسوا الطب عملياً إلى جانب الفلسفة مثل أبو بكر الرازي.
المهم في القول، أن المسلمين لم يكتفوا بالدراسة النظرية، بل كان لهم دور كبير في العلم العملي. أن منهجهم التجريبي معروف، بل هم الذين أسسوا الإتجاه التجريبي، وأخبارهم مشهورة في تشريح الجسم الإنساني، وقياس الأرض وصنع العدسات.
أن المنهج العلمي التجريبي، كان له أثره الواضح في الحضارة الأوربية، حين وصلت النظريات العربية مكتوبة، عن طرق كثيرة مثل الأندلس التي كان يدرس الأوربيون في مدارسها العربية، كما أن صقلية كانت واسطة نقل إلى روما. الحروب الصليبية واتصال الأوربيين بالشرق العربي مباشرة، نقل إليهم كثيراً من النظريات العلمية.
لعل أهم الكتب العلمية العربية، التي أرخت لعلوم الفلاسفة العرب وذكرت كتبهم بالتفصيل هي كتاب الفهرست لأبن النديم، وطبقات الأطباء لأبن أبي أصيبعة، وكتاب أخبار الحكماء للقفطي، وكتاب الحكماء لأبن جلجل، وكتاب طبقات الأمم لصاعد الأندلسي، هذا إلى جانب كتب الفلاسفة العلماء أنفسهم مثل: الرازي والفارابي وأبن سينا، والتي كانت تدرس كتب الطب منها، وإلى عهد قريب، في الجامعات الأوربية.
ولد الفارابي في فاراب، وهذا ما يتفق عليه أغلب مؤرخي الفلسفة، أما أبن النديم والبيهقي، فأطلقا على المدينة أسم فاراب. مع ذلك، فأن ابن النديم ذكر أن فاراب تقع في خراسان، والبيهقي قال أنها في تركستان.
المهم في الأمر، أن أبا نصر قد ولد في منطقة تقع ضمن الدولة العربية الإسلامية، الني عاصمتها بغداد. الآن نلاحظ أن عدة دول تحتفل بذكراه. روسيا السوفيتية، كانت تحتفل بذكرى الفارابي، لأنه ولد في كازاخستان. إيران تحتفل به، لأن منطقة خراسان تقع ضمن حدود إيران. تركيا تختفي به لأنها تظن أن عروقه تركية. سوريا تحتفل ايضاً، لأنه عاش ردحاً من حياته في حلب. كل هذه الاحتفالات علامات ثقافية صحية لا بأس بها، لكن العاصمة المهمة في حياة الفارابي، التي من حقها أن تحتفل بذكراه كل عام، هي بغداد عاصمة الخلافة، التي كان لها الأثر الأكبر في ثقافته وإرساء استاذيته في الفلسفة.
تذكر أكثر المصادر أن الفارابي حين وصل إلى بغداد، قد تجاوز الثلاثين من سني عمره. الشيء المؤسف، أن تاريخ حياة الفارابي قبل مجيئه إلى بغداد، شبه مجهول لكثير من الدارسين. لم يشر إلى ذلك مؤرخو حياته، ولا ذكر دارسو فلسفته تاريخ حياته الأولى، ولاسيما في طفولته وشبابه.
المعروف عن الفارابي أنه كان يجيد أكثر من لغة، من اللغات الحضارية المعروفة، التي يمكنه بها أن يطلع على مصادر الثقافة، ولاسيما كتب الفلسفة. من تلك اللغات التي كان يجيدها – إلى جانب اللغة العربية – اللغات الفارسية والتركية والآرامية والسريانية واليونانية. أن تعلمه لهذه اللغات، وربما هناك لغات محلية قد أتقنها، تدل على أنه قد ساح في كثير من البلدان في شبابه. أن سن الشباب يساعد على السفر وتحمل مشاق الرحلات، كما أن سن الشباب يساعد على تعلم اللغات بيسر وسهولة.
مهما يكن، فأن تلك الفترة الأولى من حياته ما تزال مجهولة أمام الدارس. السبب – كما يخيّل إلي- أنه لم يكن مشهوراً في شبابه، كما أنه لم يؤرخ حياته بنفسه، كي يطلع الآخرون على سيرته. كذلك فأنه إذا تنقل في المدن العربية والإسلامية. فأنها كلها كانت تقع ضمن دولة الخلافة العربية الإسلامية.
لم تخبرنا كتب تاريخ الفلسفة، أن الفارابي سافر إلى اليونان – مثلاً – للإطلاع على الفلسفة اليونانية في مهادها أو أنه قصد الهند للاطلاع على حكمتها. أنه ربما تجول دارساً في مدن عربية وإسلامية، كأي طالب علم في شبابه، وهذا شيء معروف، لا يجلب انتباه أحد، ولا حدث غريب كي يلفت أنظار المؤرخين.
يذهب البعض في الرأي، إلى أن الفارابي، قد تعلم اللغة االعربية في بغداد، وأنه كان يجهل اللغة العربية قبل وصوله إلى بغداد. أن هذا يعني أن الفارابي دخل بغداد أعجمي اللسان. هذا الرأي غير منطقي ولا يقبل التصديق، لعدة أسباب. ولعل أهم سبب هو أنه من غير المعقول، أن يتعلم إنسان لغة جديدة وهو في العقد الرابع من عمره، وينبغ فيها فيلسوفاً وكاتباً في أدق وأعقد شؤون المنطق والفلسفة، السبب الثاني، أن اللغة العربية هي لغة الثقافة في الأمصار. أن كثيراً من الفلاسفة نبغوا في الفلسفة والطب، وقرأوا وكتبوا في اللغة العربية مؤلفاتهم الخالدة، وهم في بلاد الأعاجم، كأبن سينا مثلاً. السبب الثالث، أنه أتفق مع بعض نحاة بغداد المشهورين مثل أبن السراج أو أبو سعيد السيرافي، أن يعلم النحوي أصول الفلسفة والمنطق، والنحوي يعلمه أصول النحو، أن هذا الرأي لأخير، يبرهن على أن الفارابي كان يجيد اللغة العربية، وإلا كيف كان يعلم الفلسفة لأساتذة النحو. أما دراسته على يد النحويين، فهذا يدل على أنه يعرف اللغة، ولكنه أراد أن يتقن قواعد النحو اتقاناً كاملاً، كي يتمكن من الكتابة. السبب الرابع، أن من المعروف، أن الفارابي يتقن عدة لغات. هل من المعقول أنه تعلم عدة لغات ثانوية، دون أن يدرس اللغة العربية، وهي اللغة الأم، لغة الحضارة العربية الإسلامية، في رقعة الدولة الممتدة من الأندلس إلى الصين.
أما دراسته للفلسفة، فقد كانت على مرحلتين المرحلة الأولى في حران، على يد يوحنا بن حيلان (ت 318 هـ) المعروف أن حران، التي تقع في شمال العراق، كانت مركز الصابئة، وكانت مشهورة بدراسة الفلسفة، وترجمة الفلسفة اليونانية، إلى اللغة السريانية، أو اللغة العربية مباشرة، المرحلة الثانية من حياته التعليمية كانت في بغداد، حين درس الفلسفة والمنطق على استاذين كبيرين، هما يوحنا بن حيلان نفسه بعد انتفاله إلى بغداد، وعلى متي ابن يونس (ت 328هـ) المشهور بتدريس الفلسفة المنطق، والمترجم للفلسفة من اللغة اليونانية واللغة السريانية.


