أنت هنا

قراءة كتاب فلسفة الأخلاق عند الفارابي

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
فلسفة الأخلاق عند الفارابي

فلسفة الأخلاق عند الفارابي

كتاب " فلسفة الأخلاق عند الفارابي " ، تأليف د. ناجي التكريتي ، والذي صدر عن دار دجلة ناشرون وموزعون ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 8

الفضيـلة والرذيلـة

يرجع الفارابي، الفضيلة والرذيلة، إلى صحة ومرض النفس. أنه يقول، كما أن للبدن صحة ومرضاً، فأن للنفس هي الأخرى صحة ومرضاً, أن صحة النفس في أن تكون هيئاتها وهيئات أجزائها، هيئات تفعل بها الخيرات والحسنات والأفعال الجميلة. أما مرضها في أن تكون هيئاتها وأجزاؤها تفعل بها الشرور والسيئات والأفعال القبيحة.

يعرج أبو نصر – بعد هذا- فيقول أن الهيئات النفسية التي بها يفعل الإنسان الخيرات والأفعال الجميلة هي الفضائل، أما التي بها يفعل الشرور والأفعال القبيحة، فهي الرذائل والنقائض والخسائس.

أن الذي يعالج الأنفس – برأي الفارابي – هو الإنسان المدني ويسمى أيضا الملك. الفارابي يعني به رئيس المدينة. أن المدني أو الملك يعالج الأنفس، فهو يحتاج إلى أن يعرف النفس بأسرها وأجزائها، وما يعرض لكل واحد من أجزائها من النقائص والرذائل، وما هي الهيئات النفسانية التي يفعل بها الإنسان الخيرات، وكم هي، وكيف الوجه في إزالة الرذائل من أهل المدن.

الفضائل صنفان: خلقية ونطقية. النطقية هي فضائل الجزء الناطق، مثل الحكمة والعقل والكياسة والذكاء وجودة الفهم. أما الخلقية فهي فضائل الجزء النزوعي، مثل العفة والشجاعة والسخاء والعدالة. الرذائل تنقسم أيضا هذه القسمة، وفي حيّز كل قسم منها أضداد هذه التي عدت وأغراضها.

الفارابي يؤمن بالممارسة، فيما يخص الفضائل والرذائل الخلقية. أن الفضائل والرذائل الخلقية، تحصل وتتمكن في النفس بتكرير الأفعال مراراً. إذا كانت تلك الأفعال خيرات، كان الذي يحصل هو الفضيلة وأن كانت شروراً، كان الذي يحصل لنا هو الرذيلة. يعطي الفارابي مثلاً على الصناعات مثل الكتابة، فهو يقول أن تكرير الكتابة، تحصل لنا صناعة الكتابة وتتمكن فينا. فإذا كان ما نكرره من أفعال الكتابة رديئاً، تمكنت فينا كتابة رديئة وأن كانت أفعالاً جيدة، تمكنت فينا كتابة جيدة.

يذهب الفارابي بعد هذا، إلى أن الإنسان لا يفطر بالطبع ذا فضيلة ولا رذيلة، كما لا يمكن أن يفطر الإنسان بالطبع حائكاً ولا كاتباً. أن الإنسان يفطر وله استعداد على أفعال أسهل عليه من غيرها. الاستعداد الطبيعي لا يقال له فضيلة ولا رذيلة، ولكن الأفعال إذا تكررت وتمكنت وصارت عادة، يمكن أن يقال عنها أنها فضيلة أو رذيلة، بحسب الفعل الذي يمدح عليه الإنسان أو يذم.

أنه من الصعوبة جداً، أن يوجد إنسان معد بالطبع نحو الفضائل كلها، الخلقية والنطقية، كما أنه من العسير أن يوجد إنسان معد بالطبع للصناعات كلها. في الغالب يكون إنسان معد نحو فضيلة ما أو عدة فضائل محدودة، كما أنه من الممكن أن يكون إنسان معد لصناعة ما أو عدة صنائع محدودة.

أن الإنسان الذي له استعداد نحو الفضيلة، وانضاف إليها الأخلاق المشاكلة لها وتمكنت بالعادة، كان ذلك الإنسان على أتم ما يكون. أما الإنسان الذي له استعداد نحو الرذيلة، وأنضافت إليها الأخلاق السلبية المشاكلة لها وتمكنت في العادة، صار ذلك الإنسان على أردأ ما يكون في ذلك الشيء. أن الإنسان الذي يتفوق بالفضيلة، على ما هو موجود من فضائل الناس يرتفع إلى درجة يسمى بالإنسان الإلهي. أن هذا يكون أولى بأن يدبر المدن وهو الملك على الحقيقة، أما الذي تتمكن منه الشرور، فأنه ربما سموه السبعي. أن مثل هذا لا يصلح لرئاسة المدن، بل الأولى أن يخرج من المدن كلها. يستدرك الفارابي، ليقول أن مثل هذين وجودهما قليل في الناس.

مع ذلك، فأن الاستعدادات الطبيعية، نحو فضيلة أو رذيلة، منها ما يمكن أن يغير بالعادة أو يزال زوالاً تاماً، يستطيع الإنسان أن يزيل عادة مضرة نحو عادة حسنة، وذلك بضبط النفس المجادلة والمدافعة. العكس يحدث ايضا بالممارسة والمزاولة.

هناك فرق ايضاً بين الرجل الضابط نفسه وبين الفاضل أن الضابط نفسه، يفعل الأفعال الفاضلة وهو يهوى الشر ويتشوقه، ولكنه يتجنبه ويخالف هواه. أما الفاضل، فهو يفعل الأفعال الحسنة ويعمل الخيرات، وهو يهواها ويشتاقها ولايتأذى بها بل يستلذها.

أن من الطبيعي، أن الضابط نفسه يختلف في استحقاق الفضل ، عن الرجل الفاضل، صاحب الخلق المحمود، لا تميل نفسه إلى شيء من الرذائل. أن مدبر المدن، من الملوك والرؤساء، إذا كان ذا أخلاق محمودة، وصارت المحامد في نفسه ملكات، فهو أفضل من الرجل الذي يكون ضابطاً نفسه. أن صلاح الرئيس عام لأهل مملكته، ولذا يجب أن تكون الفضائل فيه طباعاً وملكات، لأنه إذا هفا هفوة تعدى فساده إلى كثير غيره، ويكفيه ثواب ما يثبت فيمن يقومّهم.

الصفحات