كتاب " فلسفة الأخلاق عند الفارابي " ، تأليف د. ناجي التكريتي ، والذي صدر عن دار دجلة ناشرون وموزعون ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
أنت هنا
قراءة كتاب فلسفة الأخلاق عند الفارابي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
أصل الدولة والمجتمع
ينظر الفارابي إلى طبيعة الإنسان، من خلال ممارسة الفرد في المجتمع.
أن الإنسان يمكن أن يكون فاضلا أو شريراً من خلال الممارسة التي يباشرها مع الآخرين ويعتادها فيصبح له طبعاً أو أشبه بالطبع. الفارابي إذن يرى أنه لا يمكن أن يفطر الإنسان من أول أمره بالطبع ذا فضيلة ولا ذا رذيلة، كمايمكن أن يكون الإنسان بالطبع معداً نحو أفعال الكتابة أو صناعة أخرى، بأن تكون أفعالها أسهل عليه من أفعال غيرها، فيتحرك من أول أمره إلى فعل ما هو بالطبع، لأنه أسهل عليه مالم يحفزه من خارج إلى ضده حافز.
الاستعداد الطبيعي إذن برأي الفارابي لا يقال له فضيلة، ولكن يقال فضيلة متى استعمل الاستعداد الطبيعي وكرر واصبح الفعل متمكنا من صاحبه بالعادة والممارسة، عند ذاك يحمد الإنسان على اتيانه أعمال الفضيلة، كما أنه يذم إذا ما صدرت عنه اعمال تؤدي إلى الرذيلة.
أنه عسير أن يوجد من هو معد بالطبع نحو الفضائل كلها، الخلقية والعقلية، كذلك لا يمكــن أن يوجد شخص معد لكل الصنائع ايضاً. وفي الوقت نفسه لا يمكن أن يوجد من هو معد بالطبع للشرور كلها. ومع هذا نجد أن الفارابي كفيلسوف كبير لا ينسى أن يشير إلى أن الأمرين جميعاً غير ممتنعين.
أن الأغلب في هذه الحياة أن يكون الإنسان معداً نحو فضيلة واحدة أو عدة فضائل محدودة، كما هو معد نحو صناعة واحدة أو عدة صنائع محدودة، فكل واحد في المجتمع معد نحو فضيلة أو صناعة معينة. وهكذا يحدث التكامل والتعاون والانسجام في المجتمع.
مهما كانت الاستعدادات الفطرية نحو الفضيلة أو الرذيلة عند الإنسان، فأن العادة هي التي تمكن الفضيلة أو الرذيلة. وإذا ما تأصلت العادة يتم تكوين الإنسان خلقياً، وأن زوال الهيأة الخلقية صعب، سواء كانت خيراً أو شراً. إذا مارس الفضيلة وتمكنت فيه العادة، يكون مثل هذا الإنسان قد ارتقى إلى أرفع منزلة، حتى يكاد يسمى بالإنسان الإلهي أو ما نطلق عليه باللغة المعاصرة بالإنسان الكامل. أن مثل هذا الإنسان يرفع إلى أعلى مرتبة ويصلح ان يدبر المدن ويرأسها، ويسميه الفارابي: الملك في الحقيقة.
أما المضاد فهــو الذي تتمكن منه الشرور بالعادة، حتى يكون أشبه بالسباع لإفراطه في الشر، وأنه قد تجاوز الإنسانية المتعارف عليها في المجتمع.
ويحبذ الفارابي أن يخرج أمثال هذا من المدن. أن مثل هذا الشرير عكس الإنسان الفاضل. ولكن مع هذا فالفار ابي يعتبرهما طرفين بالنسبة لمجموع السكان، ويقول أن وجودهما في الناس قليل. المهم أن الفضائل والرذائل الخلقية عند الفارابي تحصل وتتمكن في النفس بتكرير الأفعال والعادة لها، حتى تصبح فضائل الخبرة والأفعال الردئية رذائل.
نلاحظ أنه يعطي أهمية كبيرة للمارسة والاخلاق في تغيير طبيعة الإنسان، إذ عنده أن الإستعداد الطبيعي نحو فضيلة أو رذيلة يمكن أن يزال أو يغير بالعادة زوالا تاماً، ويطبع في النفس هيئات مضادة ومنها ما يكسر ويضعف وتنقص قوته من غير أن يزول زوالاً تاماً، ومن الطبائع مالا يمكن أن تزال أو تغير، ولكن مع هذا فالفارابي ينصح إزاءها بالصبر وضبط النفس والمحاولة بفعل أصدادها. ومع هذا يفرق الفارابي بين الرجل الفاضل وبين الضابط لنفسه. أن الرجل الفاضل يعمل الخيرات وهو يهواها ويشتاقها ويستلذها لأنه يتبع بفعله هذا ما ينصحه إليه هيأته وشهوته. اما الضابط لنفسه فأنه يفعل الافعال الفاضلة وهو يهوى الشر ويتشوقه، فهو إذن يخالف بفعله ما تنهضه إليه هيأته وشهوته.
يعرف أبو نصر الفضائل بأنها هيئات نفسانية وملكات متوسطة بين هيئتين، كلتاهما رذيلتان، احداهما أزيد و الأخرى أنقص، فأن الأفعال المعتدلة هي التي تكون خيرات، ويعطي أبو نصر عدة أمثلة من الفضائل الخلقية كالعفة التي تتوسط بين الشره والجمود، والسخاء الذي هو وسط بين التقتير والتبذير، والشجاعة التي هي وسط بين التهور والجبن.
ويضرب الفارابي ضربة عبقرية عندما يعطي للبيئة في تكوين طبيعة الإنسان، وما لها من أثر كبير في ذلك. أنه يرى أن المساكن قد تولد في أهلها أخلاقــاً مختلفة، فالذي يسكــن مساكن الشعــر والجلود في الصحاري تتولــد عنده ملكــات التيقظ والحزم، وربما يزداد الامر فيه حتى يولد الشجاعة والإقدام. والمساكن المنيعة الحصينة تولد في أهلها ملكات الجبن والأمان.


