أنت هنا

قراءة كتاب الجنس الآخر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الجنس الآخر

الجنس الآخر

إذا كانت الأنوثة وحدها لا تكفي لتعريف المرأة، ورفضنا أيضاً أن نفسرها بمفهوم «المرأة الخالدة» وبالتالي إذا كنا، نسلم ولو بصورة مؤقتة، أن هناك نساء على الأرض، فعلينا حينئذ أن نتساءل ما هي المرأة؟

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 4
إن الفئة المهيمنة تحاول أن تُبقي المرأة في المكان الذي تخصصه لها وتستقي الحجج من الوضع الذي خلقته هذه الفئة نفسها، وهذا يذكرنا بقول «برناردشو» في الزنوج: «إن الأميركي الأبيض يهبط بالزنجي إلى مستوى ماسح الأحذية ليستنتج من ذلك أن الزنجي ليس صالحاً سوى لمسح الأحذية». نعم إن النساء هن غالباً في يومنا هذا أقل مكانةً من الرجال بمعنى أن وضعهن لا يفسح لهن إلا مجالات أضيق. والمسألة هي أن نعرف فيما إذا كانت هذه الحال ستدوم؟
 
لا شك في أن كثيرين من الرجال يتمنون ذلك وكلهم لم يلقِ السلاح بعد. فالبورجوازية ما زالت ترى في تحرير المرأة خطراً يهدد مفاهيمها الخلقية ومصالحها. وبعض الرجال يخشون منافسة المرأة، والمصالح الاقتصادية ليست وحدها في الميدان؛ لأن من محاسن وضع المضطهدين أن أبسطهم يظن نفسه من طينة أخرى. فكان أسهل على الكاتب الفرنسي «مونترلان» أن يحسب نفسه بطلاً وهو يقارن نفسه مع نساء «اختارهن هو نفسه» .. من أن يقارن نفسه وهو يأخذ دوره كرجل، مع بقية الرجال. مع العلم أن بعض النساء فقنه في القيام بهذا الدور. وها هو ذا «كلود مورياك» يكتب بخصوص النساء «نحن نصغي بلا مبالاة مهذبة لأذكى النساء ونحن نعلم جيداً أن فكرها يعكس بصورة متمايزة الوضوح الأفكار التي تصدر عنا نحن معشر الرجال». على كل حال إن المرأة التي يتحدث عنها لا تعكس أفكاره لأنه معروف بنضوب فكره ولعله يحتاج إلى أن يعكس هو نفسه أفكار كبار الفلاسفة وهو يتحدث.
 
إن المسألة النسائية استحالت إلى نزاع وخصام نتيجة لوقاحة الرجال. والإنسان حين يتخاصم يفقد مَلَكَة المحاكمة. وإذا أردنا حقاً أن نسلط النور على المسألة فينبغي لنا أن نطرح كل المفاهيم المبهمة كالتفوق والمساواة والنقص وأن تنطلق من جديد.
 
لكن كيف نطرح المسألة إذن؟ بل من نحن حتى نطرحها؟ فالرجال هم خصوم وحكام. والنساء أيضاً هنّ كذلك، فأين نجد ملاكاً يقوم بالمهمة؟ إنني أظن مع ذلك أن بعض النساء هن أحسن من يستطيع توضيح وضع المرأة، فلقد حظيت نساء كثيرات في يومنا هذا بالتمتع بمزايا الكائن الإنساني مما يجعلهن غير مغرضات، والواقع أن عدم التحيز هذا يشكّل حاجة بالنسبة إلى النساء ونحن النساء نعرف خيراً من الرجال عالم المرأة لأننا مرتبطات الجذور به، ونحن أقدر على إدراك ما معنى أن يكون الكائن الإنساني «امرأة».
 
إن المسألة التالية هي بالنسبة إلينا كبيرة الأهمية: أي تأثير في حياتنا نجم عن كوننا نساء؟ ما هي الإمكانيات التي أُعطيت إلينا والتي مُنعت عنا؟ أي مصير يمكن لأخواتنا الصغيرات انتظاره وفي أي اتجاه يجب توجيههن؟
 
مما يلفت النظر أن مجموع الكتابات النسائية مفعمة في هذه الأيام بجهد للتوضيح هو أكثر من الرغبة في المطالبة. وهكذا يجب أن يُعتبر هذا الكتاب محاولة من مجموع المحاولات لتوضيح الأمور.
 
إلا أنه من المستحيل، دون شك، البحث في أي مشكلة إنسانية بصورة مجردة عن التحيز فإن طريقة وضع الأسئلة، ووجهات النظر المتبناة، تفترض مجموعة متباينة من المصالح.
 
وبدل أن نحاول إخفاء المبادئ المفترضة بدرجات متباينة الوضوح، يجدر بنا أن نبدأ بوضعها وإرسائها. إننا بذلك لا نجد أنفسنا مضطرين إلى توضيح نوايانا في كل صفحة وما نقصده من كلمات أمثال: أعلى، أدنى، أحسن، أسوأ، تطور، تقهقر.
 
نحن نعتقد أن الصالح العام غير موجود إلا إذا كان هذا الصالح يضمن الصالح الخاص للمواطنين. ولا نحكم على المؤسسات والنظم إلا من خلال الإمكانيات الملموسة المتيسرة للأفراد. على أننا لا نخلط بين مفهوم الصالح الخاص ومفهوم السعادة. هذه نقطة أخرى تعترض سبيلنا غالباً؛ أليست النساء اللواتي يؤلفن الحريم أسعد من النساء العصريات المتمتعات بحق الانتخاب؟ إننا، لذلك لن نعتمد أبداً على مفهوم السعاة بل سنتبنى وجهة نظر الأخلاق الوجودية.
 
كل شخص يعمل على تأكيد نفسه تأكيداً فعلياً ملموساً من خلال المشاريع والأهداف، ولا يحقق حريته إلا بارتقاء مستمر وتسامٍ مضطرد نحو مستويات أخرى. ولا يمكن تبرير الوجود الحالي إلا بالتفتح نحو مستقبل ممهد السبيل تمهيداً مطلقاً، وكلما تحول الارتقاء إلى جمود سار الوجود نحو الانحطاط. إن هذا الانحدار يشكل خطيئة أخلاقية إذا ما رضي به المرء. أما إذا فرض عليه فرضاً أصبح ذلك اضطهاداً. وفي كلا الحالتين يكمن الشر المطلق. أجل إن كل فرد رائده تبرير وجوده لأنه يحس بهذا الوجود كحاجة لا متناهية إلى التسامي.
 
والمرأة تُعرَّف بأنها كائن إنساني وحرية مستقلة. وهي تكتشف نفسها وتصطفي ذاتها في عالم حرص الرجال فيه أن تلعب دور «الجنس الآخر» دور الغرض والمتاع.
 
إن مأساة المرأة تكمن في هذا النزاع القائم بين المطلب الأساسي لكل شخص ينصِّب نفسه دائماً في مقام الجوهر وبين متطلبات وضع يجعل منها لا جوهراً. فكيف يمكن إذن، للكائن الإنسان، في ظروف مثل ظروف المرأة، أن يستكمل ذاته؟ وما هي الطرق المفتوحة أمامه؟ أيها لا تؤدي إلى نتيجة؟ أي ظروف تحد من حرية المرأة وهل في الإمكان مجاوزتها؟ هذه أسئلة أساسية سنبذل جهدنا آملين توضيحها. وإننا إذ نهتم بإمكانيات الشخص، لا نحدد هذه الإمكانيات بتعابير السعادة بل بتعابير الحرية.
 
سيمون دي بوفوار

الصفحات