كتاب " القدس ملامح جيل يتشكل " ، تأليف محمد عدنان سالم ، والذي صدر عن دار الفكر للطبا
أنت هنا
قراءة كتاب القدس ملامح جيل يتشكل
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
لم يكن للاستعمار أن يجوس خلال ديارنا، ولا لدولة إسرائيل أن تقوم على أنقاض بيوتنا، ولا للصهاينة أن يستوطنوا فلسطين على أشلاء أطفالنا وبعد تشريد أهلنا، ولا للأمم المتحدة على الظلم أن تتجاهل قضايانا العادلة، ولا لعالمَ النفاق أن يسمي حقنا بمقاومة الاحتلال إرهاباً، ويسمي إرهاب الدولة الصهيونية وجرائمَها الوحشية ضد الإنسانية دفاعاً عن النفس.. لو لم نكن غثاءً كغثاء السيل.. ولا كنا غثاءً كغثاء السيل لو لم نترك القراءة، ونحن أبناء الحضارة التي بدأت أولى خطواتها على حداء {اقْرَأْ}.
أطفال غزة علمونا كيف نتحول من حالة انعدام الوزن - حالة غثاء السيل- إلى حالة الفعل التي يثقل بها الميزان. العالم كله شاهدهم على الشاشات؛ يهبّون من تحت الرماد؛ يتأبطون حقائبهم وكتبهم إلى خيام نصبت على أنقاض مدارسهم المهدمة، لتكون مدارسَ جديدة لهم يلقنون العالم من خلالها دروس العزة وقوة الذات.. العالم كله أصغى إلى أطفال غزة يتحدثون بلغة أكبر ونبرة أعلى وطمأنينة أكثر وثقة بالنفس وبالمستقبل أعظم؛ من لغة الكبار.
غزة!! لم تكن المجزرة الأولى التي ترتكبها إسرائيل، ولم تكن الأعنف.. فقد عودتنا على المجازر والمذابح بدءاً بدير ياسين وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا وقانا.. وغيرها كثير.
القتل، والإبادة الجماعية، والتدمير الشامل، ونسف المنازل وإهلاك الحرث والنسل، وقضم الأراضي، واغتصاب الحقوق، وموت الضمير، وذبح القيم الإنسانية، ومخالفة النواميس الكونية.. كل ذلك أساس يقوم عليه كيانها، ودستور يرسم لها سبل وجودها..
لكن سنة الله في نشوء الأمم وهلاكها، وقيام الحضارات وزوالها، لا تسير وفق أهواء الطغاة؛ فها هو ذا القرآن الكريم يحدثنا عن قارون الذي أوتي من الكنوز {الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} [القصص: 28/76] ، كيف خسف الله به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، ليكون في التاريخ عبرة لمن يعتبر، وليذكِّر الناس {أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص: 28/78] .
دأبت إسرائيل - مشكورة - منذ قيامها قبل ستين عاماً؛ على أن توجه إلينا الصدمة تلو الصدمة، تجرعنا في كل منها ألوان العذاب؛ فكنا نصحو قليلاً على وقع الصدمة، ثم ما نلبث أن نغط في سباتنا العميق، لتعود إلى تعذيبنا من جديد؛ تروم ترويضنا - كما يروَّض العبد، أو الحصان الشموس- أو تروم إلهاءنا كسباً للوقت، لممارسة المزيد من قضم الأراضي، وتهجير أهلها؛ تمهيداً لاستكمال تحقيق شعارها (دولة إسرائيل من الفرات إلى النيل)، الذي رمزت له في علمها بنجمة سداسية بين خطين أزرقين.
لكن غزة هذه المرة، خيبت ظنها، وأبطلت سحرها، وواجهتها بصحوة لن يكون بعدها غفوة..
لم تدرك إسرائيل التحول الكبير الذي تنعطف فيه الإنسانية من عصر الصناعة المرتكز على الأشياء إلى عصر المعرفة المرتكز على الأفكار.
لم تدرك إسرائيل ما فعلته ثورتا المعلومات والاتصالات من تكسير الحواجز، وتفجير المعارف، وإسالة المعلومات، واختراق الخصوصيات، وكشف الأسرار، ورفع الأستار، وتجاوز الأحاديات؛ حتى بات الإنسان في أعمق الأدغال، يعيش أحداث العالم لحظة بلحظة؛ يشارك فيها، ويسهم في إدارتها كأنه فيها.
لم تدرك إسرائيل أن ضمير العالم لم يعد يحتمل كذبها وتلبيسها، ولم يعد ينخدع بأحابيل المنافقين المتواطئين معها، المتحدثين بلسانها، الساكتين كالشيطان الأخرس عن جرائمها، فإذا بشوارع العالم كله تمتلئ بالمحتجين الساخطين، وإذا بأحرار العالم يهبون مطالبين بمحاكمة إسرائيل؛ قد دونوا لها كل ما ارتكبته من جرائم حربها المجنونة على شعب أعزل، أولاً بأول، وكأني بمجرمي الحرب من قادة إسرائيل ؛ سياسيين وعسكريين، ومن متواطئين معهم قد كُبِّلت أيديهم، وسيقوا إلى المحاكم زمراً، وفي عنق كل منهم سجل جرائمه موثقاً بالصوت والصورة: ينادى عليه أن {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا *} [الإسراء: 17/14] . {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُون ياوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا *} [الكهف: 18/49] .
أما نحن؛ فهل أدركنا أننا نعيش الآن عصر الكتاب ، وأن الكتاب فيه قد أصبح هو الإنسان، والإنسان هو الكتاب، وأن الإنسان أصبح يوزن بمقدار ما يقرأ، فإن لم يقرأ شيئاً فقد إنسانيته، وفقد معها مسوِّغ وجوده؛ ليصبح غثاءً كغثاء السيل؛ بلا وزن ولا طعم ولا جدوى؟!
فلنقرأ جميعاً على وميض صواريخ غزة !!


