أنت هنا

قراءة كتاب بين العسكرية والسياسة (ذكريات)

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
بين العسكرية والسياسة (ذكريات)

بين العسكرية والسياسة (ذكريات)

كتاب " بين العسكرية والسياسة (ذكريات) " ، تأليف عبد الرزاق اليحيى ، والذي صدر عن

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
دار النشر: دار الجليل
الصفحة رقم: 6

وأشدّ ما ينطبع في ذاكرتي مما له صلة بالطنطورة هو جمال القرية والطبيعة، الجمال الذي لا مثيل له في أي مكان آخر شاهدته. الدور وتناسق بنائها وانسجامها مع البيئة، وتشكيلات الطبيعة، السهول والبراري والتلال والوديان، من جهة، والشاطئ الأنيق ورمله الأبيض، والجزر الصغيرة الكثيرة المتناثرة بالقرب منه، وامتداد البحر الأزرق، من جهة أخرى.وفي الجهات كلها نباتات زرعها الإنسان وأخرى بريّة تعمر الجوّ بالألوان والعبق الشذيّ، الألوان التي تتماوج في كل فصل وتتنوع تموجاتها مع تعاقب الفصول، والعبق الذي تنثره زهور من شتى الأنواع. وقد كان الزنبق البريّ الأبيض هو أبرز الزهور التي تنمو في الجزر وفي ما كنا نسمّيه المَكْر وهو الرأس الصغير الذي تمدّه القرية داخل البحر. والمكر في اللغة هو نبع الماء، وبالفعل كان عند قاعدة هذا الرأس على الشاطئ بئر ماء عذب في قلب ماء البحر تعتمد عليه القرية قديماً في تأمين ماء الشرب. وقد تغيب عن الذاكرة أشياء كثيرة، ولكن رونق الزنبق ورائحته النفاذة لن يغيبا أبداً. أما السهول والبراري والتلال والوديان المحيطة بالقرية على مدّ النظر من أشد ما تنوعت زهورها وأعشابها وفطورها وطيورها.

ومما يثير الحيرة هو في عدم توفّر مراجع تاريخيّة تشير بشكل واضح إلى أصل اسم الطنطورة، بالرغم من وجود اجتهادات مختلفة حول هذا الموضوع. وفي اعتقادي ان أقرب هذه الاجتهادات الى الحقيقة هو ما نقله إليّ أخي مروان من امريكا، حيث قال أن اسم الطنطورة يعود في الأصل إلى الاسم الذي اطلقته على القرية أوّل مجموعة مصرية استوطنت فيها قادمة من طنطا، وهو اسم( طنطا دورا) الذي تطوّر مع الزّمن ليصبح (الطنطورة) بعد دمج الاسمين معاً.

لقد دمًّر المحتلون القرية الجميلة واستباحوها وأنشأوا مكانها مستوطتنتين لا تنسجمان مع طبيعة المكان وجماله وتاريخه. الأولى وهي نخشوليم أنشئت في العام 1948، والثانية هي دور أنشئت في عام 1949.

كان شاطئ الطنطورة من أكثر شواطئ المنطقة جذباً لطالبي متع الماء، سَمّى الناس هذا الشاطئ المغسل، أو لأقل إنهم احتفظوا بهذه التسمية القديمة التي أُطلقت عليه منذ كان مغسلاً للخيول في الأزمنة الغابرة، وتميز الشاطئ القائم على الخليج الصغير ليس برماله البيضاء النظيفة، فقط، بل بمائه الرائق وأغواره العميقة، وأسماكه المتنوعة، وكان في هذا كله ما يغوي عشاق الطبيعة والسابحين وهواة صيد السمك والمتنزهين. وما أكثر من كانوا يجيئون للتمتع بمزايا الشاطئ الفريد.

ومنذ بدأت أعي ما يدور حولي، تنبهت، كما تنبه غيري، إلى مجموعات من يهود المستعمرات القائمة تجيء في فصل الصيف، خصوصاً أيام السبت، وتقضي نهارها على الشاطئ. كان ناس هذه المجموعات يفدون راكبين على خيول أو في عربات تجرها البغال والخيول، أو سيارات صغيرة أو باصات، وكانوا يحتشدون قرب مبنى قديم يضم مصنعاً مهجوراً للزجاج وفيه أشجار كينا (يوكاليبتوس) عالية وبقربه مقبرةُ القرية. وفي هذا المبنى الذي أطلقت القرية عليه اسم الورشة، كان الوافدون اليهود يخلعون ملابسهم ويلبسون المايوهات، ثم كانوا يسبحون، نساءً ورجالاً، أمام أهل القرية الذين لم يألفوا أن تظهر النساء شبه عاريات في أي مكان.

كان سلوك هؤلاء يستفز الجميع. وكنّا نحن الأطفال نستاء، تسوؤنا أشياء كثيرة في سلوك الغرباء الذين لا يأبهون لمشاعر أهل المكان الذي جاءوا إليه. وكان من الطبيعي أن لا نحمل اي مشاعر ودٍ للمستفزّين وأن نخزن في نفوسنا الحساسة السخط عليهم. وعلى النقيض من هذا، كنّا نبلغ ذروة السعادة عندمايتجمع على الشاطئ حشد كبير من الوافدين الفلسطينيين في موسم صيد السردين.

كان ذلك مهرجاناً يتكرر كل سنة. وكان صيادو سمك محترفون يأتون بقواربهم من كل مكان على شاطئ فلسطين حتى من غزةّ وخانيونس البعيدتين، مئات الصيادين وعشرات القوارب يزدحم بهم الميناء الصغير وشاطئه. وكم كان يبهجنا المشهد الذي يأخذ في التشكل مع اقتراب المساء، حين يفرد الصيادون أشرعة القوارب البيضاء، ويجرون بقواربهم التي لا تلبث أن تسطع أضواء مصابيحها القوية، فتتماوج الأنوار والظلال والأخيلة على صفحة الماء وتسحرنا، وفي الأصباح كانت القوارب تعود وقد امتلأت شباك الصيادين بالسردين اللماع. وكانت كل مجموعة تكوّم ما ظفرت به في كوم يخصها، فتصطف الأكوام على امتداد الشاطئ ويسحرنا مشهدها.

وكان لسردين الطنطورة مواصفات تميّزه. وكان صيادو السمك يجنون منه أطناناً كثيرة. وكان بعض الجنى يذهب إلى الأسواق حيث يحصل عليه المستهلكون طازجاً، كما كان بعضه الآخر يذهب إلى معامل تعليبه في حيفا وتل أبيب.

في هذا الموسم، كان مباحاً لنا نحن الأطفال أن نأخذ من أكوام السردين ما نشاء. وكانت كل مجموعة منّا تذهب بما تأخذه إلى منزل واحد منها حيث يمكن تحضيره لوجبة غدائها. أما في غير هذا الموسم فكنّا نصطاد سمكنا بأنفسنا وكانت لنا وسيلة لم يسأل أي منّا نفسه عمن ابتكرها. فكنّا نستخدم طنجرة نضع فيها حفنات طحين ونغطّيها بقطعة قماش ونثقب الغطاء ونغطسها في الماء فيجتذب الطحين ُ السمكَ الصغير فنخرج نحن الطنجرة من الماء فجأة بعد أن نغلق الثقب بيدنا ونجد فيها في اغلب المرات بعض هذا السمك.

نوع آخر من الناس كان يجيء إلى القرية بين وقت وآخر: جنود بريطانيون يقودهم أمّارهم إلى محيط القرية حيث يجرون تدريباتهم ثم يأتون بهم إلى المغسل من أجل السباحة. وكنا نجمع من وراء هؤلاء أغلفة القذائف الفارغة التي يخلفونها. أما مشاعرنا نحو الجنود فلم تختلف عن مشاعرنا إزاء ناس المستعمرات اليهودية.

التحقت بالمدرسة في العام 1935. وأتذكر أني أُجلست في يومي الأول في مقعد أمامي في الصف أو لأقل إني حشرت في هذا المقعد. ولأني معتاد على الحركة والركض على الشاطئ وفي البراري، فقد ضقت بمحشري في المقعد الخشبي ورحت أتحرك فتحدث حركتي صخباً جعل الأستاذ ينبهني إلى ضرورة التزام الهدوء ويكرر التنبيه، دون أن ينفع تنبيهه في لجم حركتي. وانتهى الأمر بأن خرجت من الصف دون إذن وأطلقت لحركتي العنان.

لم أنتبه وأنا تلميذ في الصف الأول الابتدائي إلى الأحداث التي أشعلت ثورة 1936 - 1939 الفلسطينية في وجه الاحتلال البريطاني والاستيطان اليهودي. غير أن ذاكرتي تختزن ما سأدرك أنه كان من تجليات هذه الثورة في حياة قريتنا. فقد كان يأتي إلى الديوان الكبير مجموعات متعاقبة من الزوار الذين غالباً ما يكونون من الثوار المسلحين يحلّون في الليل ويرحلون قبل انقضائه أو يبقون أطول من ذلك لكنهم يتصرفون بحذر شديد. وكانت هذه المجموعات تتزود بالمؤونة من خزين حواصل الدار، ولم يكن من النادر أن تظفر بالنقود أيضاً.

وفي إحدى الليالي، جاءت فصيلة خيالة وفيها بعض الفرسان من القرية يتقدمها رجل صارت لاسمه شهرة واسعة هو قائد الفصيل يوسف أبو درّة. وأُوقظنا نحن صغار الدار لنقوم بالخدمة. وأنا أتذكر كيف فُتحت الحواصل وأخذ زوار الليل هؤلاء منها ما أمكن أن تحمله خيولهم. وفي هذه الزيارة، حادثني يوسف أبو درّة ذاته. وبالرغم من شهرة الرجل، لم اشعر أني إزاء بطل، بل شعرت أني إزاء وجيه القوم الذي هو أكبرهم سناً. وأنا أتذكر الرجل جيداً، بالرغم من أني لم أره بعد ذلك: قصير القامة، احدب، يلذغ بالراء، كما أتذكر كيف همّ بركوب حصانه فلم يتمكن من اعتلاء ظهره إلا بعد ان ساعده أحد معاونيه.

رحلت الفصيلة قبل أن ينقضي الليل. وفي الصباح، طوقت كتيبة عسكرية بريطانية قريتنا. وجاءت مجموعة من الكتيبة إلى دارنا ووضعت رشاشاً على سطح الدار الذي يشرف على دور القرية بسبب ارتفاعه. وطلب الجنود من الأهالي، عبر مكبرات الصوت، التجمع عند المقبرة. وهناك، فرز الجنود الأهالي إلى مجموعتين، واحدة للإناث وثانية للذكور.

الصفحات