كتاب " بين العسكرية والسياسة (ذكريات) " ، تأليف عبد الرزاق اليحيى ، والذي صدر عن
أنت هنا
قراءة كتاب بين العسكرية والسياسة (ذكريات)
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
وفي إطار الأسرة، ربطتني علاقات حسنة مع الصغار من أعضائها وأقربائها وأنسبائها، لكن علاقتي مع الكبار لم تكن كذلك على الدوام خصوصاً مع بعضهم. ومع سوق أبي إلى المعتقل، فقدنا الحماية التي كان وجوده بيننا يوفرها لنا. وقد كان لنا عمُّ نشأ بينه وبين أبي سوء تفاهم أزمن. ومنذ احتبس المعتقل أبي، صار هذا العم يضربنا أينما وجدنا، بسبب ودون سبب، حتى لقد صار يضربنا أحياناً ونحن نائمين. هذا العم احتاز على أراضٍ أوسع مما ملكه أبي، لكن العم كان على ما يبدو شديد الطموح، وقد وضع سجلاً ضم أسماء قطع الأرض التي يملكها وأسماء القطع التي يطمح في إضافتها إلى ملكيته. واشترى من هذه قطعاً كثيرة ضمنها كرمُ عنبٍ خلف معمل الزجاج يملكه يهودي، وهو كرم كبير، كثيراً ما ذهبت إليه مع ابن أختي مدحت في الليل وأتلفنا ما استطعنا إتلافه من أشجاره. كما بنى مطحنة له شمال شرق القرية لا تبعد كثيراً عن مطحنة والدي.
وكانت شقيقاتي سعاد ونهاد ووداد حنونات على أخوتهن يتفقدن أحوالهم على الدوام ويعتنين بهم. وكان شقيقي الأكبر فؤاد يدرس في صيدا في لبنان ثم عاد ليسكن ويعمل في حيفا. أما أخي من أبي الدكتور ابراهيم فقد بقي في بيروت وتزوج فيها بعد أن حصل على الجنسيّة اللبنانية.
واهتمّت أمي بتربية أولادها الكثيرين والعناية بهم، وكان هذا يشغل وقتها. واعتادت أمي أن تغني لنا بالتركية. وعندما تعدّ تعدّ بالتركية، وما تزال ذاكرتي تحفظ نصوص أغانٍ تركية لا أفهمها.
وقد حظيت أمي في القرية بمكانة خاصة، فهي ابنة مدينة، ومتعلمة، وزوجة وجيه معفاة من العمل الذي تقوم به النساء في المنازل والحقول. وكانوا في القرية يسمون أمي المدنيّة ويغبطونها أو يحسدونها على وضعها المتميز، كما كانوا يصفوننا، نحن أبناءها، بأبناء المدنيّة. وقد تميزنا نحن أبناء المدنية هذه بحسنِ الهندام وزيّه المديني واللهجة المدينية الحيفاوية المختلفة عن لهجة اهل القرية.
وكان للقرية مجلس محلي يضم كبراء البلد ومنهم والدي، وقد وضع هذا المجلس مخططاً اطلّعتُ عليْه لتطوير القرية يعكس طموح أهلها. واشتمل المخطط على بناء دار سينما وقاعة محاضرات وشاليهات على الشاطئ، واستهدف ترميم الميناء العتيق وتفعيله ووصلِ الجزر الصغيرة بعضها ببعض. إلا أن التطورات التي عصفت بالبلاد كلها في زمن الثورة وملاحقات البريطانيين للثوار ومناصريهم عطلت تنفيذ هذا المخطط الطموح.
في غضون ذلك، لم يكفّ يهود الجوار عن المجيء إلى الطنطورة للتنزه والسباحة. ولئن كنت أضيق بوجود هؤلاء في قريتنا وسلوكهم حتى قبل الأحداث فقد اشتد ضيقي بهم بتأثير هذه الأحداث. ومع امتداد سنوات الثورة واشتداد القمع الذي صبّته السلطات البريطانية وأيدها فيه المستوطنون اليهود على أهل البلاد، أنشأ الضيق الكره، ونبتت الرغبة في المقاومة، وقد كنت في الحادية عشرة من عمري، في الصف السادس الابتدائي، حين شكلت مع مجموعة من الأولاد تنظيماً للمقاومة أطلقنا عليه اسم طرزان، وكان للتنظيم نداء يجمع أعضاءه كلما اقتضى الأمر هو نداء طرزان السينما الشهير.
في ذلك الوقت، لم نستخدم السلاح، بل إن استخدام السلاح لم يرد في بالنا. واقتصرت تدريباتنا على الركض والسباحة وتنمية اللياقة الجسدية وما إلى ذلك. كنّا حوالي عشرين ولداً نظمنا أنفسنا في مجموعات وجعلنا لكل مجموعة مهمة تختصّ بها لمقاومة وجود المستوطنين في قريتنا. وقد تخصصت مجموعة في تنفيس دواليب سيارات المستوطنين. وتخصصت ثانية في انتزاع بطاريات السيارات ورميها في البحر. وتخصصت مجموعات أخرى في تكسير دواليب العربات التي تجرها البغال، أو تفكيك أربطة الخيول ودفعها إلى الفرار. وتميز بين نشاطاتنا نشاط اختصّت به مجموعة كانت تلملم ملابس السابحات والسابحين وتجيء بها إلى مكان اسمه الكركون في جنوب القرية.
وكنا نتجمع كلنا في هذا المكان فنحرق الملابس وندفن بقاياها. وبهذا النشاط المتنوع، كنا نرغم الذين نضيق بهم على مغادرة القرية حفاة شبه عراة ماشين على أقدامهم.
وما أكثر ما كنا نترصد هؤلاء عند البيادر في طريق عودتهم لنضحك عليهم. وكانت البيادر تقع شرق القرية على الطريق المؤدّي الى زخرون يعقوب.
هذا التنظيم كنت أنا المسؤول عنه، قائده بتعبير أدق، لأني أنا صاحب فكرة إنشائه وأنا الذي بادر إلى تطبيق الفكرة وأشرف على تنفيذها. وبعد أن أمعنا في المقاومة في هذا النحو، جاء إلى دار المختار الذي هو قريبي ضابط بريطاني على رأس جماعة من الشرطة الخيّالة وقال للمختار إنهم يبحثون عن ولد اسمه عبد الرزاق اليحيى، وبيّن السبب: التخريب والشغب ضد السابحين اليهود. يومها، استبقى المختار الأريب متين الشخصية رجال هذه المجموعة أمام باب منزله وتركهم، بدعوى الاستعداد للذهاب من أجل إحضار الولد المطلوب، ثم رجع بعد لحظات وفي يده بندقية صيد وضع فوهتها إزاء وجه الضابط وطرده هو ومجموعته طرداً.
مقابل نشاطنا، شكل فتيان يهود أكبر منّا سنّا ًمن نادي كمال الأجسام في مستعمرة زخرون يعقوب "زمّارين" تنظيماً مناوئاً لنا. وبأجسامهم النامية وعضلاتهم التي قواها اضطراد التمرين في النادي، عزم هؤلاء على المجيء إلى الطنطورة من أجل تأديبنا في عقر دارنا. ولأننا عجزنا عن منازلة المتفوقين علينا في قدراتهم، فقد ابتكرنا التكتيك الذي رأيت أنا أنه سيمكننا من ردّ هجومهم علينا. وهيأنا للدفاع ذخيرة أخفيناها في الرمل على شاطئ المسبح، وأبقيناها تحت الطلب. وكانت هذه أكواماً من الزلط الأملس جعلنا منها لكل واحد منّا كوماً عليه علامة تهدي صاحبه إلى مكانه عند الحاجة. وشددنا يقظتنا وحين داهمنا هؤلاء في أول هجماتهم علينا، كنت أسبح ، وقد تمكن واحد منهم من دفع رأسي تحت الماء، لكني تخلصت منه بصعوبة، وأطلقت النفير: نداء طرزان. وما أسرع ما احتشدت مجموعاتنا كلها واستخرج كل مقاوم كوم ذخيرته من الزّلط ليقذفها تجاه المستحميّن الغرباء، وأثبت تكتيكنا فعاليته!
يومها، اندحر مداهمونا مخذولين بعد أن أوجعتهم حجارتنا. ومرة أخرى، جاء ضابط بريطاني على رأس مجموعة شرطة وحاول إلقاء القبض عليّ. وقال هذا الضابط إني سأؤخذ إلى إصلاحية للأحداث. لكني نجوت من القبضة. وهل بإمكان أية شرطة أن تلقي القبض على ولد في قرية إذا كان أهل القرية كلهم يقفون معه ضدّ إلقاء القبض عليه!
كنا نقاوم على طريقتنا. وكان الكبار يقاومون على طريقتهم. لم نتدخل في شؤون الكبار، وقلّما تدخلوا هم في شؤوننا ، إلا إذا اقتضى الأمر أن يوفّروا لنا الحماية.
انهمك والدي في شؤون الكبار هؤلاء. كان في بداية أمره مجلسيّاً، أي مؤيّداً للزعامة الحسينية، وكانت له صلة شخصيّة وثيقة بالحاج أمين الحسيني، كما كان عضواً في أوّل لجنة تنفيذية برئاسة كاظم باشا الحسيني التي تشكّلت في عام 1922 لمقاومة الاستيطان اليهودي والوجود البريطاني. لكنه اختلف فيما بعد مع المجلسيين وأخذ ينتقدهم دون أن ينضمّ إلى مناوئيهم النشاشيبيين.
وفي عام 1933 اندلعت انتفاضة شاملة اعتقل خلالها والدي وزوج أختي داود الهندي وارسلا إلى المعتقل في عكا.
لم تنقطع صلة والدي الشخصية بالحاج أمين فقد كان من طبعه ألاّ يقطع صلته بأحد. وكما كان للزعيم الحسيني الكبير حضور طاغ لدى الكبار، كان له حضوره لدينا نحن الصغار أيضاً، وما أكثر ما هزجنا كما يهزج الجميع: سيف الدين الحاج أمين. وفي وقْتٍ مُبكّر من عمري عرفت أن الحاج أمين حلّ بمنزلنا ضيفاً في الطنطورة سرّاً دون أن ألحظ أنا أو أيّ منا نحن الصغار وجوده. أما كيف عرفت ذلك فلأنيّ لاحظت وجود عصاً على سقيفة المنزل لم أرها من قبل. وقد تبيّن لي فيما بعد أن هذه العصا بندقية تأخذ طلقة واحدة فقط، فسألت والدي عنها فقال أنها للحاج أمين تركها هنا بعد زيارته لنا. ثم عرفت أن الحاج كان وقتها في طريقه إلى لبنان فارّاً من ملاحقة البريطانيين الذين تشدّدوا في طلبه بعد ان اغتال فدائي فلسطيني الحاكم البريطاني للواء الجليل. وهذا يعني كما فهمت فيما بعد أن الزيارة جرت بعد اغتيال الحاكم أندروز في 29 أيلول 1937 بوقت قصير، أي إبان الثورة. ومنذ زالت أسباب الحرص على السر في منزلنا، عرفت أن صاحب قارب صغير من جزيرة الحمام بالقرب من قيسارية اسمه( محمد يوسف) اللّواح، وهو صياد سمك لم ينضمّ إلى المجاهدين، هو الذي نقل زعيم الحركة الوطنية في قاربه من الطنطورة وأوصله برّ الأمان إلى لبنان.
وحين أنهيت الصفوف الابتدائية الأربعة الأولى التي لم يكن في مدرسة الطنطورة آنذاك غيرها، وكان ألق الثورة الفلسطينية قد انطفأ وامتلأت الأجواء بنذر الحرب العالمية، أرسلتني الأسرة إلى قرية الطيرة القريبة لأتابع دراستي في مدرستها التي تضم الصفوف الابتدائية السبعة. وفي منزل أختي سعاد وزوجها عيسى أبو راشد الذي من هذه القرية، عشت ضيفاً عزيزاً ترعاه أخت حنونة ويحميه زوجها. وقد توجب عليّ أن أعيد في الطيرة الصفّ الرابع الابتدائي. وسبب هذا أن مدرسة الطنطورة افتقرت في عامي الأخير فيها إلى معلم للغة الانجليزية التي توجب الأنظمة أن تدرس منذ الصف الرابع هذا. وأوجبت علي إدارة مدرسة الطيرة أن ألتحق بصفها الرابع لا لشيء إلا لأدرس هذه اللغة. كانت الطيرة قرية كبيرة جميلة، تحتضنها طبيعة أخّاذة تكسوها أجراش كثيفة من أشجار الزيتون، وكان عدد سكانها يزيد عن خمسة عشر ألفا، يتميّزون بالصّلابة والطيبة والكرم.
كان في الصف الذي توجب عليّ أن أعيده ثمانيةٌ وسبعون تلميذاً تقدمتهم أنا ونلت المرتبة الأولى في امتحانات نصف السنة فأثار هذا حفيظة التلاميذ على الوافد الغريب الذي نال هذه المرتبة. وتوالت التهديدات. وصار بعض الناقمين علي يترصدني على الطريق بين المدرسة والمنزل وفي الوادي الذي يفصل بين منازل القرية ومدرستها. وكان المترصدون يضربونني ويصرون على أن أفعل ما يجعلني أحصل على مرتبة أدنى من مراتبهم. ولم أقبل، ولما تكرر الضرب، اضطررت إلى تنظيم الدفاع عن النفس. وشكلت مجموعة من سبعة تلاميذ من جيراني وأنسبائي.
وكان هذا العدد ضئيلاً بالقياس لعشرات الناقمين علي، ولكنه كان كلّ ما تيسر لي جمعه. وفي يوم الواقعة التي أُريد لها أن تكون حاسمة، استنفرت المجموعة الكبيرة أعضاءها كلهم وجاءني واحد منهم بإنذار مجلجل: "عبد الرزاق، حضّر نفسك، اليوم إلك قتلة!". وأمعن المنذر في التحدي: "ستكون القتلة عند التينة في الوادي". الإنذار الصريح، والقاف الطيراوية ووقعها الثقيل، لقد كنت حقاً في خطر، لكني قبلت التحدي: "أنا جاهز". وسرى النبأ بين التلاميذ.
كان في حوزتي محفظة جلدية أفرغتها يومها من الكتب وأبقيت الكتب في المدرسة وملأت المحفظة بالأحجار. ورسمتُ خطتي الدفاعية معتمداً على عنصر المفاجأة وعلى سرعتي في الجري، أنا الذي يصعب أن يسبقني في الجري أحد. وعندما بلغت الوادي الذي يفصل المدرسة عن القرية كانت مجموعة في انتظاري عند التينة. وما أن شرع الذي أنذرني في استفزازي والاستهزاء بي حتى فاجأته بضربة قوية بالمحفظة على وجهه وعلى رأسه، ثم أطلقت ساقي للريح قبل أن يفيق الذين أذهلتهم سرعة الضربة وشدتها من المفاجأة. وكنت وأنا أبتعد عن ملاحقي أسمع قائد هؤلاء وهو يشكو: "شوفو قدّيش إنّو سريع، طاير مثل الغزال".