كتاب " إبرة الرعب " ، تأليف هيثم حسين ، والذي صدر عن منشورات ضفاف ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
أنت هنا
قراءة كتاب إبرة الرعب
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
- 4-
في حديث الذات للذات لا مجال للخداع أو التزييف، لذلك وقع صريع كذبته التي لفّقها، راغباً في تغيير مسار الحديث الذي تشعّب حول حياته ومستقبله، إذ قال، إنّه رأى في الحلم أنّ إحدى أسنانه الأماميّة قد سقطت..
على الرغم من مقته الشديد للحديث في الأحلام وعنها، إلاّ أنّه ابتكر ما قاله، لكنّه لم يستطع التحكّم بقوله، ولا بحصره في إطار ضيّق، لأنّ الكلام كالنار، فكما أنّ النار تستعر ويأكل بعضها بعضاً، وتتذكّى برشّ البنـزين عليها، كذلك الكلام يتوالد ويتشعّب بمجرّد تداوله، يُضاف إليه، يُنقص منه، وهو يخرج عن السيطرة في كلّ حال..
لم ينفعه إقراره بزلّته، لأنّ ما جرى لم يترك فرصة كي يراجع ما قاله، أو يتراجع عنه، إذ أوّلت جدّته المستمعة إليه حلمه؛ هي المولعة بمتابعة تفسير الأحلام، تفسّر لمَن يرى حلماً حلمه وفق ما تعتقد، بأنّه يعني أنّ الحالم سيفقد أحد أقرب مقرّبيه، الأبوين أو أحد الإخوة، واهتمّت جدّته لحلمه ذاك، بينما اغتمّ أشدّ الغمّ للمصيبة التي تسبّب بها، ووقع في موقف صعب عليه التخلّص منه، حتّى وإن اعترف بتلفيقه، فلن يصدّقه أحد، وسيُظنّ أنّه يحاول تغطية المصيبة الوشيكة، بحَرْفها عن مسارها، أو بادّعاء عدم رؤيتها، كما اقتنع بما قيل له عن حلمه المؤوَّل، انـزعج من قراره الخاطئ بتغيير الموضوع، أنّب نفسه تأنيباً عنيفاً، شتم تهوّره، لعن كذبه، لم يستطع مقاومة تيّارٍ توفّق في الإيداء به إلى حينٍ، عندما بدأ بتصوّر فَقد أحد مقرّبيه، وعدم تصوّره حياته من دونه..
تعجّب من نفسه، هو الذي لا يتعلّق بأحد، ولا بشيء.
تعجّب كيف بكى بكاءً مرّاً، عندما تخيّل أنّ المفقود سيكون أمّه، لم يدرِ ما يفعله تجاه كارثته المتوقّعة، كان نشيجه مسموعاً منه.. كيف سيكون بيتهم من دونها..؟! لاشكّ أنّها ستخلّف فراغاً كبيراً خلفها. كيف سيبقى في البيت وهي بعيدة عنه، كيف سيفيق دون أن يراها وتؤمّن له لوازمه، ليس لأنّه لا يقوى على ذلك، بل لأنّها تصرّ دائماً على خدمته، حيث ترى راحتها وطمأنينتها في ذلك، هو الغائب في معظم الأحيان عن البيت، يدرك ما تحسّ به، فيطلب منها أموراً بسيطة كي يُشعرها بعدم استغنائه عنها.. لمن سيشتكي بعدها، مَن سيستقبله ببشاشة وروعة، لتقول له: «حبيبـي.. عجّل كي لا يبرد الأكل..». هذه عظمتها، لا تحتاج معه إلى توضيحات كثيرة، وهو لا يحتاج معها إلى طلبات كثيرة أيضاَ، كلاهما متفاهمان دون أيّ نقاش أو طلب، بحكم الألفة والحياة المشتركة، بحكم الحبّ الذي تمنحه دون مقابل، لإحساسها أنّه واجبها دون انتظار العوض أو الردّ، إذ لا تشعر بأنّها تمنح شيئاً، فكلّ يوم تحسّ أنّها مقصّرة بحقّ ابنيها، وهو كذلك يشعر أنّه مقصّر في حقّها كلّ يوم أكثر.. لهذا يُصدم بكلّ امرأة يتعرّف إليها، لم تكن إحداهنّ تعوّضه عن أمّه، فبقي شعوره باليُتم مرافقاً له، لحين ارتمائه في حضن أمّه.. كيف سترحل دون أن يقوم بواجبها على الوجه الأمثل..؟! هي التي قامت بدور الأب والأمّ معاً، في ظلّ صمت الأب الكارثيّ. لابدّ أن يمهلهما الموت أيّاماً أخرى، لا يعقل أن يكون كافراً إلى هذا الحدّ الذي يغافلهما فيه..
فكرة الرحيل القسريّ لا تليق بهما، لأنّ مشاريعه المعلَّقة بانتظار مباركتها لم تُنجَز بعد..
لم يخلُ تصوّره فكرةَ موت أبيه من تأنيب شديد وجّهه لنفسه، خاصّة أنّه شعر لوهلة بالسعادة في قرارته لمثل هذا الحادث، لكنّه استجاب لدور الواجب الذي شبّ عليه، فبدأ يبحث عمّا سيتأذّى جرّاء فقده لأبيه، لم يجد أنّ والده يقوم بشيء قط، بل يكتفي بالصمت ولا شيء غيره. هذا أيضاً أراحه، لأنّ ذلك سرّب إليه شعوراً بالسيادة، وفي الجانب الآخر، ستزداد حرّيّته، سيكون مرجع نفسه دون حاجة به إلى وصاية أو حماية ولو من صامتٍ.. لكنّ ما فتئ يراوده، تصوّره أن يفكّر ابنه ذات يومٍ بمثل ما يفكّر به الآن، ولمَ لن يفكّر مثله. لكنّه أراح نفسه بأنّه لن يتزوّج مطلقاً..
لم تستثنِ الفكرة التي استبدّت به، مؤرجحة إيّاه بين الأسى والدهشة، روْنَاك ابنة خالته، على مَن سيتأمّر بعدها، ألم يكن هو نصف حاكم، تستشيره فيما يتعلّق براحتها، وما يظنّه أنّه معظم خصوصيّاتها، التي أيقن فيما بعد أنّها لم تكن كذلك، لأنّه لم يتنازل عن تلك الفكرة التي استوطنته فترة طويلة، وهي أنّ في حرّيّة المرأة، كونها النصف الأدهى، نَسْفاً للمجتمع، وبحكم انخراطه في أنشطة أوجبت عليه أن يقصي بعضاً من أفكاره السابقة، بدأ بالمباهاة بتقيّؤ ما أفسده ولم يقوَ على الشفاء منه، لأنّه كان متمسّكاً برأيه، مقتنعاً به، ومحبّاً له..
لم يقف الأمر عند الدرجة الأولى من القرابة، بل طال تصوّره حتّى الجيران، لأنّ كلّ واحد منهم ترسّخ في ذاكرته وفقاً لما اعتاد رؤيته عليه، وعدم إرادته تغيير الصور التي استقرّت في ذاكرته.. كيف سيتصوّر خروجه من بيته دون أن يسأله جاره الرشمليّ، عن الأخبار الجديدة، ثمّ عن النشرة الجوّيّة، وأخيراً عن وجهته، ليجيب كلّ يوم الأجوبة نفسها، أن لا جديد لافت، وأنّه سيصل إلى مكان قريب وسيعود.. كلاهما لا يملاّن من هذا التقليد..


