رواية "صابر" الصادرة عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، للكاتب والأديب الفلسطيني سليم دبور، وهو كاتب روائي وسينمائي وتلفزيوني ومسرحي، وقد أهدى روايته إلى شهداء فلسطين في الضفة وغزة الأبية، والأسرى في سجون الاحتلال، وإلى كل ضحايا العالم.
You are here
قراءة كتاب صابر
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 5
مهلاً! مهلاً! بقي ثمة شيء لم أقله بعد، أترغبون في سماعه؟ هل قلتم نعم؟
غيرت رأي لم أعد أرغب في قوله فقط؛ لأنكم تريدون سماعه. لحظة! لحظة! غيرت رأيي مجدداً، سأقوله.. اللعنة! ما لي أرى وجوهكم قد شحُبت! ألهذا الحد تخافون الكلام؟ لا تخافوا، سأضع كاتم صوت حتى لا يسمع كلامي غيركم.
آه! نسيت أن آذانكم معطوبة لا تصلح للاستخدام، إذن ما جدوى الكلام؟ يا للغرابة! أسمع أحدكم يطلب مني الكلام، أهو من زمرتكم أم إنه وجه جديد لا يزال يحلم بتغيير الكون، أجزم أنه كذلك. غداً سيُغسل دماغه بمسحوق النذالة، ويفقد رجولته، ويصبح مثلكم مجرد دمية يحركها الدولار. كلكم في بادئ الأمر تعِدون الماشية بعشب أخضر، وماء نقي، وزريبة كريمة، وعندما يمر أسبوع على تسلمكم مفاتيح الرئاسة تتحولون فجأة إلى وحوش ضارية، وأول أعدائكم هم من انتخبوكم وجعلوكم زعماء عليهم، هذا إذا تم الانتخاب أصلاً.
لا أدري لماذا أعذب نفسي بالتساؤلات وبمسائل أهلكت أمثالي منذ زمن بعيد، فكان الإعدام مصيرهم أو الجنون.
الأفضل أن أوضِّب سريري. سريري؟ هل قلت سريري؟ أي سرير؟ يبدو أن الصدمات الكهربائية أذهبت عقلي، لا ليست الصدمات، هي الحقن، نعم الحقن. لا ليست الحقن، هي الوحدة، نعم الوحدة تجعل المرء فيلسوفاً أو مجنوناً، تناسبني الثانية أكثر، فالفيلسوف في هذا الزمن مدان ومحكوم عليه بالإعدام.
ما أسوأ أن يتخلى عنك البشر وقت الشدائد، أن يتركوك وحيداً في غابة تسيطر عليها وحوش ضارية، خائنة، لا صديق لها.
حتى أنت تركتني وحيداً، ليتك كنت معي الآن. لا! هذه أمنية أنانية، أنانية جداً. لقد ارتحت من هذه الدنيا الظالم أهلها، ارتحت وأرحت نفسك من رؤية مصائب تهز الأبدان، على الأقل رحلت عنا وفي ذاكرتك صور مقبولة نوعاً ما. عفواً هل قلت مقبولة؟ أتراجع، لا أظن أنك رأيت شيئاً أسعدك منذ مهدك حتى لحدك.
وكيف أعرف؟
لعلّك رأيت ما يسعدك.
أكاد أجن، وكأني أعيش في أقبية مظلمة نتنة، بل الأقبية أرحم من جدران هذه الحجرة اللعينة، فهناك لن أسمع شخيراً على الأقل. اللعنة! أظن أن هذه الأجساد المنتشرة في أركان هذا الإسطبل مستسلمة تماماً لما فرضه عليهم أولئك الساديون، لم يعد لديهم إرادة لتحدي الحقن المنومة، بل لم يعد لهم رغبة في مواصلة الحياة. سأحاول أن أوقظ أحدهم لعلّه يتحدث إلي، فالحديث ينسيني همي وينسيهم الجنون.


