رواية "صابر" الصادرة عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، للكاتب والأديب الفلسطيني سليم دبور، وهو كاتب روائي وسينمائي وتلفزيوني ومسرحي، وقد أهدى روايته إلى شهداء فلسطين في الضفة وغزة الأبية، والأسرى في سجون الاحتلال، وإلى كل ضحايا العالم.
You are here
قراءة كتاب صابر
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 7
آه يا رب! كل شيء هنا غريب، غريب جداً. المكان ليس مكاني، هؤلاء النيام ليسوا أصدقائي، هذا السرير ليس سريري، حتى الملاءة ليست ملاءتي. ملاءتي دوماً مغبرّة بتراب المخيم، تفوح منها رائحة خشب البلوط المحروق وشذا دلال. كم أشتاق إلى تلك الرائحة! وكم أتلهّف لعناق دلال!
آه يا وجع قلبي! كأن قدمي انزلقت إلى مصيدة رمال متحركة، تبتلعني رويداً رويداً دون رحمة. أرفع يديّ فلا يراني أحد، أصرخ بملء حنجرتي، فلا يسمعني أحد.
أعرف الآن لماذا يصاب الناس بالجنون؛ هو التفكير!
التفكير يقتل النفس الحائرة، يذبحها ويشويها بجحيم الضياع. ليتهم تفهّموا مأساتي وأنصفوني. ليتهم يعرفون أن الإحساس ليس جنوناً، أن الحب ليس جنوناً، أن الطيبة ليست جنوناً، أن الوفاء ليس جنوناً. ليتهم يرون غيرهم من التائهين في عالم الظلم بعيون بصيرة لا عيون عمياء. ليتهم يمنحونني دقيقة واحدة لأعبِّر لهم عن سبب تصرفاتي. لكنهم يا ويحهم! عكَّروا صَفْوَ حياتي بعنادهم، ألبسوني ثوب الجنون وزجّوا بي وراء قضبان الذل لأتصفح بقايا مأساتي بروح أسيرة حزينة، روح قتلتها الوحدة وشتتها الحرمان، فلم تعد تقوى على الصبر أو الاحتمال.
الصبر؟
هل قلت الصبر؟ أهو لغة الأقوياء أم لغة الضعفاء؟ لا يهم، يقولون للصبر حدود. لماذا لا يدركون أن صبري قد نفد، أم أن اسمي يشجعهم على الاستمرار؟
يا ناس، يحتاج الجريح إلى يد تضمد جراحه، لا يد ملتهبة تزيده ألماً. يا ناس، يكفيني سوط العذاب يلسع جسدي بإخلاص دون توقف، يكفيني موت أحبتي وفراق فلذة كبدي. الكل متسلط عليّ وكأني دمية رخيصة وقعت بين فكيّ تمساح...
أيتها الجدران اللعينة، هل تتفهمين مأساتي؟ هل تسمعين ما سمعه الأصم ولم يستطع أحدهم سماعه؟ هل تدركين أن وراءك يُصلب إنسان جريح ويحتاج أن يشم هواءً نقياً؟ أجزم أنك لا تختلفين عنهم، أنت مثلهم صماء بكماء عمياء. سجّانة أنت مثلهم، تقفين كصخرة سمجة فوق صدري، تنتصبين حولي لتحجبي عني شعاع الشمس وضوء القمر، تنتصبين بحقد وكراهية وتغتصبين حريتي.
أيتها الجدران اللعينة، أنت ظالمة مثلهم، تشاركينهم الخيانة، تسترين جرائمهم، وتحاك المؤامرات بين أضلعك. أكرهك أيتها الجدران الخائنة، وأكره قضبانك القذرة. سحقاً لك ولمن شيّدك أول مرة. وراءك يختبئ عالمي الذي حرمت منه ظلماً وبهتاناً، وراءك يختبئ ماضيّ وحاضري ومستقبلي. وراءك يختبئ ولدي. ليتك تتنازلين عن كبريائك الأجوف وتنشقين لتفتحي لي طريقاً يوصلني إلى أضرحة أحبتي. ليتك تمتلكين ذرة من الإحساس فتفتحي لي نافذة أهرب منها إلى الحياة. أتذكرين موسى وحكايته مع البحر؟ لقد خرّ البحر خشوعاً وشق له طريقاً لينقذه من قبضة فرعون، فلماذا لا تمدي يدك إليّ وتنقذيني من الموت؟ أجزم أنك لن تفعلي شيئاً. أنت سادية تستمتعين بتعذيبي، وتطبقين على أنفاسي دون رحمة. أنت مثل أسيادك تماماً؛ هم يأسرون حريتي ويقولون: نسقيك المر حتى تعرف الحلو، ونضربك بالحقن حتى تتفاءل، وأنت تغتصبين حريتي وتقولين إنك هنا لحماية جسدي من البرد وحر الشمس.
يضحكني كلامهم وكلامك أكثر. عن أيّ تفاؤل يتحدثون وحريتي مغتصبة؟ عن أيّ تفاؤل يتحدثون وكل أحبتي أُجبروا على الرحيل؟ ربما للتفاؤل عندهم مفهوم آخر... ثم من اشتكى لك حر الشمس أو برد الشتاء؟ أنا أعشق البرد والحر؛ لأنهما ميزان العدل، لأن للبرد خصال رائعة وللحر خصال أروع، لأن البرد يخدر جروحي، والحر يدفئ روحي، مَن أنت حتى تمنعين عني ميزان الحياة؟
أنت الملام يا أبي، ليتك لم تفكر بإنجابي. ألم تكن تدري أن العالم الذي جلبتني إليه عالم مكتظ بالظلم والفساد؟ أم هل كانت شهوتك أقوى من أي إدراك لأية حقيقة؟
أبي! هل تذكرني؟ أجزم أنك نسيتني. سأذكِّرك من أكون: أنا من أفنيت عمري أنسج خيمة بخيوط جمعتها من كل النفايات لتأوي جسدي، وبعد أن انتهيت جاء أحدهم وفتق ما نسجت بلمح البصر وبرود أعصاب.
أنا من زرع ولم يحصد، بل زرعت ورداً وحصدت أشواكاً. زرعت حباً وحصدت كرهاً. أنا من أضحك الناس، فأبكوني. أنا صابر يا أبي، صابر... صابر. وكأنك كنت تعرف ما سألاقي في هذه الدنيا ولذلك ألصقت هذا الاسم الذليل على جبيني.


