You are here

قراءة كتاب صابر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
صابر

صابر

رواية "صابر" الصادرة عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، للكاتب والأديب الفلسطيني سليم دبور، وهو كاتب روائي وسينمائي وتلفزيوني ومسرحي، وقد أهدى روايته إلى شهداء فلسطين في الضفة وغزة الأبية، والأسرى في سجون الاحتلال، وإلى كل ضحايا العالم.

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
دار النشر: دار الجندي
الصفحة رقم: 10
استيقظت. أخبرتهم أنني قد صحوت، لكنّ جثتك ستظل مأسورة إلى أبد الآبدين. حزن جيراننا، تزاحمت الدموع في عيونهم. لم يكونوا يبكون على فراقك، بل على ضعفي! أخبرتهم أنك الميت، فاشتد بكاؤهم أكثر. كنت في غيبوبة من أمري، أحاول أن أفهم الموقف، لم أستطع، ولم يستطع الجيران معي صبراً. حاولت إنكار حقيقة موتك لكنّ وضوح الصورة كان أعظم. حاولت إقناعهم بنومك العميق، تألّموا من إجابتي أكثر، وأصرّوا على أني ملحد يتذمر. طلبوا مني مغادرة الحجرة إلى أن يأتي الصباح بنوره، رفضت فأصرّوا. أدركوا قوة عنادي، تركوني وانصرفوا.
 
لم أتركك لحظة. أمضيت تلك الليلة أحدثك عن آلامي وأحزاني، محاولاً الحصول على إجابة لسؤال كاد يحطمني: "أين ذهب أخي أسامه؟". لم تتكلم، ولم أيأس. بقيت مستمراً في سؤالي إلى أن تجور خباء الليل، ومع ظهور أول ضوء للصباح احتشد الجيران أمام حجرتنا ليقدموا العزاء وليدفنوا جثتك.
 
أبى حظك السيئ أبى أن يفارقك. كان الثلج يتساقط بغزارة في هبات كبيرة وثقيلة، وكانت السماء مُعكرة المزاج. لم أفاجأ بذلك الحظ اللعين الذي لا يصيب إلا أمثالنا من الفقراء المنكوبين حتى في موتنا.
 
لم أكن مستعجلاً لدفنك. أردت أن أبقيك معي في الحجرة، لكن الشيوخ قالوا: "إكرام الميت دفنه". بدؤوا يغسلون جثتك. اقتربت منك، شُق بصرك فأغمضه أحدهم وقال: "اللهم اغفر له، وارفع درجته في المهدييّن واخلفه في عقبه في الغابرين...". انتهوا من تغسيل جثمانك. طلب أحدهم مني أن أودعك، ففعلت. كنت مرتبكاً، حزيناً، منهاراً. لم أستطع تقبل فكرة رحيلك بسهولة.
 
ارتميت فوق جثتك أبكي وأشد شعري متوسلاً إليك أن تعود. سمع عجوزٌ- لا أعرفه- كلماتي فأقبل إليّ مسرعاً ووكزني بعكازه وطلب مني أن أتوقف عن كلماتي لأنها كفر. قلت له إنك كل شيء لديّ. ازداد غضباً وطلب مني أن أوحّد الله وألا أبكي كالنساء. قلت إن البكاء يخفف الألم، وإن الرجال يبكون حتى الأشداء منهم. رمقني بنظرة ساخرة، وقال: "بل أشباه الرجال وليس الرجال".
 
تجاهلته تماماً، وأخذت أُناجي جثتك دون كلام وأبكي بصمت. فجأة وجدت جسدي يرتفع عن الأرض ورأسي يلاصق السقف، وكأن السماء امتصتني بعد أن جذبتني إليها. أصابني الهلع فنظرت للأسفل لأرى من ذلك الخارق الذي رفعني عن جثمانك وكأني ريشة عصفور. رأيت نضالاً؛ ذاك الشاب طويل القامة، مفتول العضل، ضخم الشارب، غليظ الوجه، كثيف الشعر. استشطت غضباً وصحت طالباً منه أن ينزلني. أنزلَني بغلظة وقال مهدداً: "إياك والتصرف كالأطفال". نظرت إليه بعينين خائفتين وهززت رأسي بالموافقة.

Pages