"القضاء والانتهاكات الحكومية لحقوق الانسان "، هذا الكتاب يوضح الكيفية التي اهتم بها الأفرقاء الناشطون والقانونيون من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية التي تأتي كنتيجة لتأمين العدالة القانونية والقضائية المتمثّلة في فقرات الدستور القانونيّة التي تعنى بحقوق الإنس
You are here
قراءة كتاب القضاء والانتهاكات الحكومية لحقوق الانسان
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
3 ـ الانتهاكات اللاإنسانية لحقوق الإنسان
وهناك أمر أبشع وأكثر عدوانية وإرهاباً ولايقل بأي حالة من الأحوال خطورة عن تلك النظرات العنصرية إلى الآخرين ألا وهو النظرة الدنيا والممارسات اللاإنسانية الشائنة التي تمارس من قبل بعض نظم الحكم الاستبدادية التي أدانتها وتدينها سنوياً التقارير الدولية بانتهاكات حقوق الإنسان من خلال التصفية الجسدية أو التعذيب الوحشي للحكومات تجاه أبناء البلد الذي أولاهم إدارته وأقسموا اليمين على ذلك وعملهم هذا يصب طبعاً في مصلحة الدول الأجنبية.
وقد شهدت دول الشرق الأوسط والعالم العربي على وجه الخصوص ممارسات خطيرة لحكومات وسلطات تجرد خصومها السياسيين من إنسانيتهم وحقهم في الحياة والكرامة وذلك بالتصفية الجسدية دون محاكمة عادلة أو باستباحة أجسادهم وتعليقها كالذبيحة الحيوانية وإلحاق أشد أنواع الأذى بها بطريقة لاتستخدم حتى مع الحيوان ذاته.
والخطر في هذا الأمر تلك النظرة الخطيرة في عيون وأفئدة منتهكي حقوق الإنسان وهم يجردون الضحية من الحياة والشرف والكرامة، لا بل يتلذذون بذلك لأنهم خارج نطاق الرقابة أو المحاسبة أو الشعور الذاتي بالوازع الإنساني أو الديني (الذي يتشدقون بالانتساب إليه). إنها النظرة المتدنية نفسها لغلاة التمييز العنصري وهي تنزل بمرتبة المخلوق البشري إلى أدنى مستوى الحيوان أو الجماد. فيسحقون إنسانية الإنسان تماماً مثلما كانت تفعل مافيات الرق أيام الزمان السحيق.
المشكلة إذن تكمن في فرضية أولية أساسية لضحايا انتهكت حقوقهم الإنسانية. ولابد من عمل عالمي متضامن بقوة يقيد الفعل الشاذ ويمنع الانتهاكات الإنسانية من الوقوع ويعاقب مرتكبيها حالاً وليس بعد أن تنتهي صلاحياتهم السياسية ليكون ضحية أخرى مثل ضحايا الثورة المضادة كي لاتهون الحقوق الإنسانية وتصبح في نظرمنتهكيها أمراً طبيعياً يزول تأثيره بمرور الزمن أو عبر الصفقات السياسية مثلما يعبر عنها وزير خارجية بلد محتل(16) (بأن الأمور مسيطر عليها لمصلحة الحكومة التي من صنع الاحتلال) ليجرد الإنسان من حقوقه الإنسانية.
إن هذه المشكلة الأزلية ليست مشكلة فلسفية وإنما هي مشكلة أخلاقية واجتماعية وقانونية غاب عنها الضمير والعدالة، وقد أدركت الجمعية العامة للأمم المتحدة ذلك إدراكاً جيداً عند إعداد ثم إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948، إذ اشترطت في ديباجة الإعلان كفالة حقوق الإنسان قبل أي أمر آخر. فهذا الاعتراف هو المقدمة الضرورية لإقرار الحقوق الإنسانية كما وردت في المواد الثلاثين بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وهذا المنهج الذي نهجته الجمعية العامة للأمم المتحدة يتكرر في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية عام 1966 والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام 1966 أيضاً إذ تلتزم الدول الأعضاء التزاماً أولياً واضحاً وصريحاً في أول سطر بديباجة العهد بأنها تقر وتعترف أولاً وقبل كل شيء بأن المخلوق البشري إنسان بصرف النظر عن جنسه أو لونه أو دينه وعقيدته. وأنه يتمتع بكرامة الإنسان وحقوقه المتساوية مع غيره من بني البشر. ويستمر منهج الاعتراف الأولي والأساسي نفسه بإنسانية المخلوق البشري في ديباجة الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب والمعاملة الحاطة بالكرامة أو اللاإنسانية لعام 1984، إذ تبرز الدول الأطراف في الاتفاقية أهم الشروط لتطبيق نصوصها وهو الاعتراف المبدئي بأن ضحية انتهاك تلك النصوص هو أولاً وقبل كل شيء إنسان. فهذا الاعتراف هو أساس إدانة مجرمي التعذيب الذين تجردت نفوسهم من الضمير والواعز الإنساني تحت تأثير نظرة متدنية للضحية(17).


