"حياتنا الصغيرة"؛ تمكنت فدى جريس في قصصها القصيرة من التغلغل في الحياة اليومية في قرى الجليل، وعكستها بإمتياز في نص صريح، غير متعال، ومعبر عن النبض الفعلي لما يعيشه الناس. إن هذه القصص القصيرة هي "الثقافة الصغيرة" التي تميز الحياة اليومية.
You are here
قراءة كتاب حياتنا الصغيرة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
في صباح اليوم التالي زمجرت أم رمزي موقظة ابنتها: "الساعة عشرة! لإيمتا بدنا نظل نايمين؟! قومي انشري الغسيل! أنا راجعة!" ودلفت من البيت بمشيتها السريعة وكأنها في مهمة مستعجلة. طرقت باب شهيرة فاستقبلتها وهي تطبخ وجلستا معاً ريثما ينضج الطعام. شهيرة تريد التفرغ لمزاولة نشاطها اليومي وتفضّل أن يكون الأكل جاهزاً. تنهدت أم رمزي وهي تشرب القهوة: "أركنت على ياسمين عشان تجهز الغدا... يمكن بالآخر تقلي بطاطا وبيض. شو أعمل بهاي البنت؟" وابتسمت شهيرة قائلة: "ولا إشي. خليهم يتدللوا. هاي صبحية بعدها نايمة..." فاغتاظت الأخرى من برودة أعصابها وزفرت: "طيب وبس يتجوزوا شو بدهن يعملوا؟ هاي البلوة اللي عندي بدها تعرف تدير بيت؟! أنا عارفة شو رح يصير – كل خمس دقايق يمّه ويمّه... وخذي البهدلة ساعتها!" ثم أردفت بفخر: "اسم الله عليكي يا لينا... والله من أول يوم ما سألتني إشي – معدّلة وقوية العين تحميها!" ابتسمت شهيرة قائلة: "يا أختي... ما إحنا تجوزنا زي الهبل، وهاي مشي حالنا. بعدين جيل اليوم مش زيّنا – الشباب والبنات هالايام بيساعدوا بعض في البيت." فخبطت أم رمزي على صدرها: "هذا اللي ناقص!" وتساءلت الأخرى: "ليش لأ؟ حتى جوزي بيساعدني مرات – امبارح نقر الكوسا!" كتمت أم رمزي غيظها وقامت بتخزين المعلومة حتى تناقشها مع الجارات الأخريات في غياب شهيرة. إنّ للمعلومات التي تسمعها ترتيبًا دقيقًا في ذهنها يحدد كيفية وموعد استخراج كل منها ومع من.
جهز الطعام وقامت شهيرة بتغطيته حتى يظل دافئاً ثم خرجتا سوية تمشيان بسرعة. برودة لاسعة في الجو وسماء رمادية تنذر بالأمطار. وصلتا إلى وجهتهما داخلتين من باب خارجي عتيق إلى حوش كبير يقوم في طرفه منزل قديم. نادت شهيرة: "أم فارس..." وسمعت الرد: "أهلاً أهلاً! اتفضلوا!" آتياً من طرف البيت الغربي. اتجهتا إليه لتجدا المرأة قابعة على الأرض تخبز خبز الطابون وتلوح بالعجين بين ذراعيها في حركة ماهرة، وسميرة ابنتها تجلس بقربها وتدخله إلى فرن الحطب. قام السلام والتأهيل وجلست المرأتان على كرسيين صغيرين من القش.
أم فارس خبازة ماهرة تخبز وتتحدث وتضحك في آن واحد. اشترك النسوة في حديث شيق وأكلت أم رمزي وشهيرة من الخبز الساخن دون تكلّف. حين قالت أم فارس لابنتها: "قومي اعملي قهوة،" وقفت أم رمزي قائلة: "أنا باحطها عالنار... خليكي يا سميرة!" ودخلت إلى المطبخ. وضعت الماء على النار ناظرة إلى داخل البيت في فضول واتجهت كأنما لتدخل إلى الحمام، ملقية نظرة متفحصة على غرفة سميرة التي تعلم أنها بجانبه. لا وجود لأي فساتين كالتي تحدثت عنها شهيرة. لم ترد أن تغيبَ كثيراً فخرجت إليهن ثانية.
جلست حائرة تشعر بفضول شديد وتريد معرفة ما يجري. لم تستطع المراوغة أكثر، فبعد عدة دقائق أخرى من حديث عام قالت بنبرة حاولت ألا تشي بلهفتها: "شو أم فارس؟ شو صار مع سميرة اسم الله عليها؟" ألقت شهيرة إليها نظرة خاطفة كأنما لتقول: "والله برافو عليكي – أنا بدي أفتح الموضوع ومش عارفة كيف!"
ابتسمت أم فارس كالتي كانت تتوقع السؤال وقالت بنبرة هادئة: "ولا إشي – الدنيا قسمة ونصيب... ما صار نصيب مع الشاب وراح كل واحد لحاله بالمعروف... وهيك أحسن من المشاكل بعدين لا سمح الله!" قالت شهيرة: "بس والله سمعت انه بيحبها وبعد بدو اياها؟" فانزعجت المرأة وردّت: "يا أختي الدنيا نصيب... والبنت مش مرتاحة معه – أجوّزها بالقوة يعني؟! والله بزمانهم أهلي ما غصبوا عليّ إشي. تجوزت أبو فارس عن حب ورضا." وابتسمت كأنما تتذكر: "كان يوقف قبال بيتنا بالساعات... وما كسروا أهلنا بخاطرنا... وهيّانا اسم الله علينا مبسوطين. آجي اليوم أغصب البنت؟ متت وأنا أحكي معها..." (وكانت سميرة قد ذهبت لصنع القهوة) "...بس ما بدها!"
قطع حديثهن صوت ينادي: "يمّه! يمّه! إنت هون؟" فقالت أم رمزي: "ياسمين!" ثم نادت: "آه يمّه هون! فوتي!" وإذ بالفتاة تظهر وتسلم على النسوة وأمها تتساءل بانزعاج: "يا مقصوفة الرقبة! شو بتعملي هون؟!" ضحكت ياسمين وقالت: "زهقت... وعرفت انك هون قلت آجي أتسلى شوي مع سميرة ومنروّح سوا." فردت الأم: "يا عيني! والطبيخ؟!" في هذه الأثناء عادت سميرة بالقهوة وما أن رأت صديقتها حتى تضاحكتا وجرتا سوية إلى داخل المنزل. تنهدت أم رمزي بصوت عال وتمتمت دون أن تخاطب شخصاً محدداً: "يا ربي شو أعمل بهاي البنت؟" ضحكت شهيرة التي تتابع هذا المسلسل يومياً وابتسمت أم فارس قائلة: "ولا إشي – خليهن ينبسطوا..." أرادت أم رمزي الاسترسال في الشكوى لكن الموضوع السابق بقي أهم ولم ترد أن تفلت فرصة إكماله، فتنحنحت وقالت: "طيب وفي لسميرة عريس تاني؟"
كأنما عجبت المرأة لجرأتها وبغتت بالسؤال. سكتت لبضع ثوان كان النسوة ينظرن إليها خلالها في ترقب. ثم قالت وهي تنظر إلى الخبز: "لا يا أختي... على مهل... البنت صغيرة، خلّيها عندي شوي..." وضحكت.
عرفت المرأتان أنهن بصدد سياسة الإخفاء والكتمان ويجب أن تسلكا طرقاً أطول للوصول إلى المعلومات المنشودة.
استمر الحديث في مواضيع أخرى منها أخبار ثانوية تتعلق بجيران ومعارف آخرين، وأم رمزي تخزّن كلاً منها في خانات محددة في شبكة معلوماتها، وتحدد ما يجب أن يقال أمام من وتحلل الأحداث حيناً مع النسوة وحيناً بشكل صامت. انتهتا من شرب القهوة واستأذنتا وأم فارس تعترض بصوت عال: "والله ما قعدتوا! ع إيش مستعجلين؟ خلّيكن!" ووسط المجاملات والعتاب تمكنت المرأتان من الخروج بعد أن صممت أم فارس على إعطاء كل واحدة خمسة أرغفة. خلال بقية مشاويرهن ممكن أن تعدن بأشياء أخرى كثيرة... بضع حبات ليمون أو كوسا... صحن من الحلوى...
ما إن خرجتا وياسمين تهرول وراءهما حتى همست شهيرة: "بدهاش تحكي. بس أنا باقوللك إني متأكدة في إشي!" ردت أم رمزي بلهفة: "آه... هاتي نفوت على أم إخلاص... هاي اللي عندها كل الأخبار." ثم وجهت الحديث لياسمين: "ولي يا مقصوفة الرقبة اسبقيني بسرعة عالبيت – وإذا روّحت ما لقيت الطبيخ جاهز رح أمعط راسك!" وأكملت طريقها مع شهيرة إلى الوجهة الجديدة.
أما في بيت أم فارس فقد قالت تلك لابنتها: "جايين يشمشموا أخبار... ناقصني وجع راس أنا. هاي كلها غيرة! اسم الله عليكي يمّه!" ثم فكرت قليلاً وأردفت: "بس ما قالتلك ياسمين إشي عن أهله لزاهر؟" هزت الفتاة رأسها بالنفي، فقالت أمها بصوت حكيم: "لازم بعد ما أخلص الخبز أروح عند أم إخلاص... عندها بالاقي كل الأخبار."


