"حياتنا الصغيرة"؛ تمكنت فدى جريس في قصصها القصيرة من التغلغل في الحياة اليومية في قرى الجليل، وعكستها بإمتياز في نص صريح، غير متعال، ومعبر عن النبض الفعلي لما يعيشه الناس. إن هذه القصص القصيرة هي "الثقافة الصغيرة" التي تميز الحياة اليومية.
You are here
قراءة كتاب حياتنا الصغيرة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
قفل راجعاً وظِلُّ ابتسامة يلعب على شفتيه. عرّج إلى الدكان واشترى علبتين من السجائر ومضى إلى بيته وهو يدخن متلذذاً.
فوجئ بوجود سيارة غريبة أمام البيت. من هذا؟ هرول مسرعاً إلى الداخل وإذ بشكري، محاسب البلدية، وأخيه يجلسان لديه. رحب فوزي بهما بحرارة: "يا أهلاً! أهلاً أهلاً بالأفاضل! هيّاكم اجيتوا والعشا في الوجه! بدكم تتعشوا معنا!" حاول الرجلان الرفض لكنه لم يعطهما أي مجال، فقام الجميع إلى مائدة العشاء وفوزي مستمتع بالموقف وعالم أنّهما يريدان الانتهاء من الأكل بسرعة حتى يفتحا الموضوع الذي جاءا من أجله. تمالك ابتسامته الخفية ثانية وهو يفكر: "شو هذا؟ الخير جاي ورا بعضه!" ورحب ثانية بالرجلين اللذين انفرجت أساريرهما حين انتهت الوجبة وعادوا جميعاً إلى الصالون. تحدث فوزي في مواضيع عامة وكأنه لا يفهم شيئاً عن سبب الزيارة. فجأة تنحنح شكري قائلاً: "فوزي، لمين رح تصوّت هاي السنة؟"
بدا عليه الاستغراب للسؤال وقال بصوت خفيض: "هه؟ ما انتو عارفين يا شباب."
وإذ بشكري يتكلم "من الآخر": "بس أنا نازل لرئاسة البلدية وبدي اياك معي."
تظاهر فوزي بالدهشة الشديدة، رغم أنّه كان يعرف هذه الأخبار بدقة وحتى عدد الأصوات المتوقعة إلى الآن لكل مرشح. لكنه فتح عينيه باتساع سائلاً: "والله؟!"
- "آه. شو رأيك؟"
مرة أخرى بدا صامتاً متفكراً. العبها منيح يا فوزي، هذا مليان. أخذ نفساً عميقاً بينما أعين الاثنين متعلقة به.
- "والله يا شكري انت فاجأتني..."
- "ول يا زلمة كيف بتعرفش؟ كل البلد عارفة!"
- "الحقيقة أنا ما باتدخّل بالانتخابات كتير... ولا حتى باعرف مين مرشح بالضبط. بالعادة كل جولة باعطي صوتي أنا وعيلتي لحاتم ضوّ متل ما بتعرفوا..."
- "حاتم صار أخبار قديمة. الجديد عنّا."
تعجبه ثقة شكري بنفسه. هذا الرجل يوحي بأنه إذا صمم على شيء فاستحالة ألا ينفذه. فتحت لك طاقة الفرج يا فوزي.
¬
- "يا جماعة، والله مش عارف شو أقول لكم. انت قدها وقدود يا شكري. بس أنا متل ما قلت..."
بدا على شكري أنّه ليس لديه الوقت ليضيعه. نظر حوله بسرعة وحين اطمأن إلى عدم وجود أحد معهم (فقد أعطى فوزي تعليمات صارمة لزوجته والأولاد بالاختفاء الكامل، ووقفت زوجته وراء الباب الموصد تسترق السمع) مال على فوزي بسرعة هامساً: "عشرة آلاف."
- "شو؟!"
- "عشرة آلاف، أصواتكم انت ومرتك وولادك. وإذا جبت حدا من إخوتك بيصيروا عشرين."
اتسعت عينا فوزي في ذهول. تدارك نفسه بسرعة وتدخل الشيطان المتيقظ أبداً بداخله. تمتم بصوت خفيض: "خمستاعشر ألف."
- "فوزي!"
- "بدي أغيّر كل مساري! كمان مش سهل أتخلى عن قائمة صار لي عمر معها!"
نظر إليه الآخر بتفحص. رسم فوزي على وجهه سحابة من القلق المتوتر ليوحي بخطورة الشيء المطلوب منه. نظر شكري وأخوه إلى بعضهما ثم إلى فوزي الذي بقي عابساً وسادت بضع ثوان من الصمت قبل أن يقول شكري بما يشبه الحنق: "ماشي."
أراد فوزي القفز عن كرسيه. لكنه تمالك نفسه بصعوبة وابتلع ريقه حتى لا يحس الرجلان باشتعال عواطفه. خمسة عشر ألفاً! سيقلب البيت! سيقتني أثاثاً جديداً! سيبدأ في بناء طابق لابنه حتى يزوجه! س...
أفاق على صوت شكري: "يعني اعتبر هذا وعد؟"
أضاء وجهه وهتف: "على رقبتي!"
لم يستطع النوم تلك الليلة. فتح عينيه محدقاً في السقف ثم تقلب في الفراش إلى أن استيقظت زوجته وسألته عما به، فتمتم إنّه لا يستطيع النوم. سألته إن كان يريد شاياً، وحين بدا مشغول الفكر وتمتم بإجابة مبهمة قامت من تلقاء نفسها وأعدت الشاي. جلسا في الصالة يتحادثان وقص عليها فوزي ما حدث. إنّه يأتمنها على كل شيء، فزوجته أصيلة وكاتمة لسرّه وهو يحمد الله أنّه أهداه امرأة مثلها. هي من طرفها تكنّ له كل الحب والتقدير فهي ترى فيه الرجل الذكي قوي الشخصية القادر على انتهاز الفرص. لمعت عيناها وهي تقول: "والله لازم أبخّرك!" فانفجر ضاحكاً: "هذا هو تعليقك على كل اللي حكيت لك اياه؟ والله إنكن ناقصات عقل!" فابتسمت في عتاب قائلة: "اسم الله عليك يا أبو الفوز... الله يوفقك!"
حين أشرقت الشمس وبدأ فوزي يهيئ نفسه للذهاب إلى العمل سمع طرقاً على الباب. من الآتي في هذه الساعة؟! فتح الباب وإذا بجاره يقف في الخارج. "صباح الخير!" فرد دهشاً: "صباح النور سليم! اتفضّل!"
- "ما بدي أزعجك. بس قلت إذا عم تشرب قهوة باشرب معك قبل ما نتسهّل عالشغل..."


