"حياتنا الصغيرة"؛ تمكنت فدى جريس في قصصها القصيرة من التغلغل في الحياة اليومية في قرى الجليل، وعكستها بإمتياز في نص صريح، غير متعال، ومعبر عن النبض الفعلي لما يعيشه الناس. إن هذه القصص القصيرة هي "الثقافة الصغيرة" التي تميز الحياة اليومية.
You are here
قراءة كتاب حياتنا الصغيرة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
- "طبعاً! مفهوم!"
- "في ناس قالولي إنه زلام حاتم وكمان جماعة كمال كانوا عندك. شو القصة؟ على علمي أعطيتنا كلمة؟"
- "طبعاً! وأنا عند كلمتي! بس هم متل ما بتعرف، بيدوروا عالبلد كلها حتى يجيبوا اصوات، وإجوا لعندي قلتلهم أهلا وسهلا وسقيتهم قهوة، بس قلتلهم انه ما في نصيب وانه صوتي رايح. ما حبّيت حتى أجيب سيرتك – بلاش يعرفوا قوتنا وعدد الناخبين عنّا!"
نظر إليه الرجل بإمعان. لكن فوزي كان بارعاً في اختلاق الأكاذيب لدرجة أنّه يعيش الدور كاملاً. حتى زوجته تساءلت إن كان ما يقوله صحيحاً!
خلال نصف ساعة كان شكري يحتسي القهوة باطمئنان كامل ويأكل الحلوى ويتبادل النوادر ويضحك مع فوزي، ثم خرج بعد أن همس له: "رح تنبسط معنا يا أبو الفوز."
تربع فوزي ثانية على الأريكة يفرك يديه في سعادة. لكن هناءه لم يدم طويلاً، فقد أتى إخوته الثلاثة لزيارته بعد ساعة وعلى وجوههم الحنق والغضب.
- "فوزي، إحنا كل عمرنا ماشيين في هذا الطريق وما بيصير تتخلى عنا!"
- "ومين متخلّي عنكم؟!"
- "لكن شو بيعمل شكري فايت طالع لعندك كل يومين؟"
- "بيحاول. الزلمة إجا ع بيتي – أطرده يعني؟! استقبال الضيف واجب! هيّاني مستقبلكم وانتو نازلين فيّ!"
- "بس ضيافة؟! لو انت مش واعده بإشي ما بييجي هالقد!"
- "بالعكس يا أفاضل يا شاطرين – لو انه ضامن صوتي ما كان في حاجة يظل يروح وييجي!"
أراد أحد أخوته أن يستمر في النقاش فنفد صبر فوزي وقرر أن أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم. علا صوته بحدة: "انت واياه من إيمتا بترفعوا صوتكم عليّ؟ أنا أخوكم الكبير! وأنا ماشي معكم ومع حاتم – مش كل ما حدا إجا ع بيتي بتيجوا وتعملوا لي موال! يا غيّروا هاي السيرة يا تفضلوا!"
تراجع إخوته ناظرين إليه بحرج. وهنا تدخلت زوجته لتهدئة الموقف: "فوزي، فكها خلص، شوف ما أحلى هالقعدة، كل إخوتك حواليك! يا جماعة بدنا نشوي لحمة – شو رايكم تتعشوا معنا؟" وصوبت إلى فوزي نظرة ذات معنى فتنهد قائلاً: "أمري لله – هاتوا نوكل مع بعض يا جماعة، والله ما في إشي محرز، انتو إخوتي..." وببراعته قلب الموقف تماماً، وبات إخوته في حال من الحرج زاد عليها استضافته لهم وشواء كميات من اللحوم وإطعام الجميع. ساد البيت جو احتفالي وقضوا ليلة جميلة أكلوا وشربوا فيها الكثير وانصرف الجميع سعداء هانئين. وابتسامة فوزي الخفية تظهر من حين إلى آخر ولا يلحظها أحد.
أتى يوم الانتخابات. القرية في حالة غليان. المناورات تسير بشدة لكسب الأصوات والوعود تُنثر يميناً وشمالاً والعدّ التنازلي يرفع حدة التوتر والترقب. ذهب فوزي إلى مركز الاقتراع وعائلته وهو يختال كالطاووس وابتسامته الخفية تعبث بشفتيه. إنّه رابح في أي حال وأية نتيجة.
فاز الائتلاف بين حاتم وشكري الذي عُقد في الأيام الأخيرة حين أيقن كل منهما أنّه لن يستطيع الفوز بمفرده.
توظفت ابنة فوزي في البلدية، وقبض أبوها خمسة عشر ألفاً. ولا يجرؤ أحد من الأطراف على الاعتراف بالرشاوي التي دفعها حتى لا يحال للمحاكمة. إنهم حريصون على عدم إفشاء سره... أكثر من حرصه!
فكر وهو يهز رأسه: "معلش. خسرنا فاتورة البلدية، بس المبلغ اللي قبضته بيسددها وبيبقى منه كثير."
ضحك طويلاً وهو عائد إلى البيت. الآن يبدأ الجزء الأخير من خطته: الاختفاء الكامل لبضعة أسابيع وعدم الحديث في سيرة الانتخابات حتى لا يثير الشبهات. جميل أن يكون كل طرف على يقين أن فوزي في صفه. وحقيقة، هذا ليس بعيداً عن الصدق... ففوزي يحب الجميع!


