كتاب " دموع الرياحين " ، تأليف دريد عودة ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب دموع الرياحين
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

دموع الرياحين
المقدّمة
لن تكون مقدّمتي لرواية «دموع الرياحين» التي أضعها بين يديّ القرّاء عن أحداث الرواية نفسها. سأترك للقارئ أن يتنشّق عطر رياحين هذه القصة، ولو بعين دامعة. ففي رواية مثل «دموع الرياحين»، ستكون كمن يقطف الورود من بين الأشواك. وكلما أدمت يديك وقلبك، طاب لروحك عبق رياحينها: رواية «دموع الرياحين» تخاوي قرّةَ العين بدموعها، وخزائنَ النفس والروح برياحينها.
مقدّمتي ستكون حول الأسئلة التالية: هل من دور للأديب أو الروائي في صنع الذاكرة الجماعية (La mémoire collective) والوعي الجماعي (La conscience collective) لمجتمعه أو أبناء وطنه؟ هل لنا، نحن معشر الأدباء والكتّاب والروائيين والشعراء، مهمة تاريخية ما غير كتابة أنفسنا بين سطورنا؟ نتوارى حينًا، ونظهر أحيانًا، فيحلو للقارىء حينها أن يلعب معنا لعبة القط والفأرة أو لعبة الغمّيضة: يريد فعلًا أن يكشفنا متلبِّسين... سطورَنا.
سؤال آخر: هل الكتابة واجب الذاكرة فقط، ذاكرة الأمس، أم هي واجب المستقبل أيضًا؟ أعني واجب صياغة وعي يؤسس لذاكرة أخرى في المستقبل، مختلفة عمّا يمكن أن تكون، على اعتبار أن العالم وليد أفكارنا، وأحداثه بنات هذه الأفكار؛ على اعتبار أن العالم، بكل أحداثه، هو صيرورة عقولنا نحن البشر في التاريخ؛ على اعتبار أن ذاكرة الغد هي عمل اليوم.
وانطلاقًا من كل ما تقدَّم، هل يمكن أن نتكلم عن ضرورة أن يكون الأدباء الآباء الروحيين للأمم؟
أزعم أن على الأديب واجب المستقبل، انطلاقًا من واجب الذاكرة. وأزعم أن للأديب تلك المهمة أو الرسالة التاريخية التي أتكلم عنها: صياغة، أو الإسهام في صياغة، الذاكرة والوعي الجماعيين. وأزعم أكثر أن ما من عمل أدبي أو روائي عظيم إلّا وكان له هذا الدور التاريخي في التأسيس للاجتماع البشري، وفي حياكة مصير الشعوب وصيرورتها التاريخية.
تحضرني في هذه العُجالة رواية «البؤساء» لـ ڤيكتور هوغو كأعظم مثال على الدور التاريخي التأسيسي للأديب بصفته عبقري الأزمنة - Le génie des siècles - ومهندسها وكاتب شرعة صيرورتها وارتقائها: من دون رواية «البؤساء» وأمثالها من الأعمال التأسيسية العظيمة لَما كانت الثورة الفرنسية، أو أقلّه لَما حدثت كما حدثت.
هوغو، ورفاقه الرومنطيقيون، هم الآباء الروحيون للثورة الفرنسية، بل للأمة الفرنسية كما نعرفها اليوم.
وفي بلادنا يحضرني بالطبع روّاد النهضة: كانوا كتّابًا تاريخيين تأسيسيين. أكاد أزعم أن لولاهم لَما كانت هناك عروبة حضارية بل تتريك، أو أقلّه عروبة مُتَتَرِّكة مُعَثْمَنة مُتَعَثْمِنة... هم الآباء الروحيون لعروبة حضارية لم تولد بعد، لعروبة حضارية يجب أن تولد، وإلّا سنبقى لُقطاء التاريخ والأمم.
أسأل هنا: أين هم اليوم الكتّاب أو الأدباء التاريخيون التأسيسيون اللبنانيون والعرب للدور الحضاري المقبل، خصوصًا مع هذه الأزمة الوجودية العميقة التي تتخبط فيها المجتمعات العربية والتي هي أزمة حضارية بامتياز: كل أزماتنا، أزماتنا الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الفردية، مرجعها الأزمة الحضارية في بلاد العرب: أزمة العقل.
بزعمي أن على الكتّاب أو الأدباء التاريخيين التأسيسيين، إن وُجِدوا، أن ينكبّوا على صياغة الذاكرة التاريخية الجماعية جنبًا إلى جنب مع صناعة الوعي الجماعي، أي أن تكون أعمالهم الأدبية القوة الرافعة أو الدافعة لتشكيل الكتلة التاريخية القادرة على إحداث «الثورة العربية الكبرى» المنشودة على غرار الثورة الفرنسية والثورة الأميركية وغيرهما: الوعي الثوري يجب أن يحضِّر للثورة؛ الثورة في عالم الفكر والوعي يجب أن تسبق الثورة في العالم؛ الثورة الثقافية يجب أن تصيغ بنفسها ثقافة الثورة؛ الثورة في أزقّة وزواريب وميادين رؤوسنا يجب أن تسبق ثورة الأزقّة والزواريب والطرقات والميادين. هذا بالضبط ما أسمّيه الدور التاريخي للأديب في صناعة الذاكرة والوعي الجماعيين، ذاكرة الشعب ووعيه... هذا ما أسمّيه بالضبط واجب المستقبل.
فعندما أتكلم عن الذاكرة التاريخية الجماعية، أقصد أن على الأدباء التأسيسيين أن يعيدوا كتابة تاريخنا الحضاري لا كأحداث بل كقيم؛ أي ألّا يكونوا تأريخيين أو تاريخانيين «تراثيين»، بل تاريخيين «حَداثيين» يعيدون كتابة التاريخ كحضارة وكقيم من أجل صياغة ذاكرة جماعية تاريخية تكون الركن الأساس في عملية خلق الوعي الجماعي، وبالتالي تشكيل الكتلة التاريخية الثورية الانقلابية الواعية... لا الكتلة الصمّاء العمياء التي أول ما تصمّ أذنها عن صوت العقل ونداء الوحدة، وأول ما تصوم ببصيرتها عن العقل نور الأنوار.

