كتاب " الثورة سردية وطنية " ، تأليف فؤاد خليل ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب الثورة سردية وطنية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الثورة سردية وطنية
2 - العدد المطيّف يحمل إلى داروينية اجتماعية(**)
يعرض المؤرخ كمال الصليبي في الفصل العاشر من كتابه «بيت بمنازل كثيرة»، عناوين شتى للسجال السياسي الذي كان يدور بين زعماء الطوائف في الفترة الممتدة بين الاستقلال وعام 1975. وحين توقف عند عنوان منها، (وهو مطالبة المسلمين بإحصاء عادل لمعرفة الحقائق الديموغرافية للبلد، وأخذها في حساب المشاركة في السلطة وصناعة القرار الوطني)، أورد في ص 246 ما حرفيته: «لكن المسيحيين ما كانوا يريدون أن يسمعوا كلمة إحصاء. وكان الإحصاء الأخير قد أجري عملياً في لبنان في العام 1932 في ظل الانتداب الفرنسي، وكان هناك شك كبير حتى بين العديد من المسيحيين في صحة هذا الإحصاء الذي لم يتكرر بعد ذلك. ومن يومها لم يرأس دائرة الاحصاء في الجمهورية اللبنانية إلا مسيحيون لا يزالون يحافظون على سجلاتها بسرية تامة ولا يصدرون إلا أرقاماً رسمية تقريبية لعدد السكان، وليس هناك بالفعل حتى بين المسيحيين من يقبل بصحة هذه الأرقام»... ثم أضاف: «لا شك أن لبنان كان بأمس الحاجة إلى إحصاء، وذلك على الأقل لأغراض التخطيط الملائم للتطوير الاجتماعي والاقتصادي. وكان يمكن إجراء مثل هذا الإحصاء نظرياً دون تصنيف للسكان بحسب الدين والطائفية... لكن كان يخشى من أن يكشف أي إحصاء وبشكل غير مباشر عن حقائق ديموغرافية ليست في صالح المسيحيين... ومن ناحية أخرى، فإن المسلمين لم يصروا على المطالبة بالإحصاء لصالح التخطيط الإنمائي، بل لمجرد إظهار المدى الذي هم فيه الأكثرية في البلد وبقصد وضع المسيحيين في موقع دفاعي أكثر ضيقاً من الذي كانوا فيه».
يظهر هذا المقتبس، أن العدد كان يحضر في مجرى السجال الطائفي إبان الجمهورية الأولى في لبنان. فهو من جهة، كان يشكّل إحدى آليات الهيمنة الطائفية المحتجبة خلف مقولات التوافق والعيش المشترك، لتسويغ استمرارها وتجددها. وهو من جهة أخرى، ما لبث أن أخذ يمثل وسيلة لجبه الخلل الطائفي المتخفي خلف مفاهيم التوازن في الحكم وفي صناعة القرار الوطني.
وهكذا، عندما كان المسيحيون يشكلون الأكثرية حسب إحصاء عام 1932، ارتضوا اختيار النواب على قاعدة 5/6، أي ستة نواب من الطوائف المسيحية مقابل خمسة نواب من الطوائف الإسلامية. في ذلك الحين، لم يطرح العدد مشكلة بالنسبة إليهم، بل على العكس كان محموداً من قبلهم لطالما يؤمن باسم التوافق هيمنتهم على مؤسسات الحكم في الدولة. ولما بدأ الميزان الديموغرافي يميل منذ مطلع السبعينات لمصلحة المسلمين، صار العدد مرغوباً من قِبل هؤلاء، لأنه يوظف في سبيل إقامة مشاركة «متوازنة وعادلة» بين الطوائف.
مذ ذاك، ألقى المسيحيون الحرم على العدد، ووجدوا في الحديث عن الإحصاء ما يقلق ويستفز شعورهم الفردي والجمعي في آن. وفي المقابل، ارتاح المسلمون إلى العدد وعثروا في الدعوة إلى الإحصاء، على قيمة مضافة يستثمرونها في السجال مع «إخوانهم» في الوطن...
إذن، لقد جرى استخدام وظيفي وأيديولوجي للعدد. فهو عندما يتستر خلف التوافق، يكون الحفاظ على هيمنة طائفية معلومة. وحينما يستخدم من أجل الكشف عن الواقع الديموغرافي، تغدو وظيفته السعي إلى تحقيق توازن طائفي منشود. ومع استخدام كهذا، يتطيف العدد ويصبح في خدمة جناح طائفي من هنا، وجناح طائفي من هناك.
وعليه، لا يعود ثمة من يريد أن يسمع كلمة إحصاء، أو حتى أن يقرأها في التقارير العلمية، مثلما لا يعود من يسمعها، يريد أن تتعدى اللفظ الطائفي أو حدود اللعبة السياسية المرسومة بإتقان. وفي الحاليْن، يلغي التطييف حاجة لبنان إلى الإحصاء أقله من أجل أغراض التخطيط الإنمائي أو التطوير الاجتماعي والاقتصادي، لتكون النتيجة بالتالي، ان الإحصاء في لبنان ممنوع إلى أمد مجهول. والبلد الذي يعيش الخواف الدائم من العدد يصبح في هذا الباب فريداً بالفعل من بين الدول أجمع!...
ومع حكم الطائف أثير موضوع العدد مجدداً من وقت إلى آخر. لكنه اتخذ اسماً غالباً، هو الأكثرية والأقلية. ولم يشذ ما أثير في هذا الطور عن «المأثور اللبناني العريق»، إذ تطيف السجال حوله، وانتظم وفاق قاعدة الاستخدام الوظيفي والأيديولوجي إياها. فالطائفيات الإسلامية التي صار لها موقع الأرجحية في الحكم، أخذت من فترة إلى أخرى، تطالب بإلغاء الطائفية السياسية ليس بهدف الإصلاح والتغيير، بل كلما أرادت تذكير شركائها بأنها تحولت إلى أكثرية ظاهرة، وكلما وجدت أن «الضرورة الوطنية» تعادل تعزيز موقعها والحفاظ على غنمها من امتيازات النظام. والطائفيات المسيحية التي رفضت منطق الأقلية والأكثرية ورأت أن إلغاء الطائفية السياسية في الراهن، يؤدي إلى هيمنة طائفية موصوفة، لم تفعل ذلك لأنها صاحبة مشروع في التغيير والإصلاح، بل لكي تذكر شركاءها بأن«الضرورة الوطنية: تعادل إعادة إنتاج موقعها على قاعدة التوافق بين «المجموعات اللبنانية»، أياً يكن الحجم العددي لكل منها»...

