You are here

قراءة كتاب أكواخ الظلام

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
أكواخ الظلام

أكواخ الظلام

كتاب " أكواخ الظلام " ، تأليف عبدالله بن علي السعد ، والذي صدر عن

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
المؤلف:
الصفحة رقم: 3

بالرغم من عملي الإداري إلا أن الإنسان في داخلي يتهم بالكتابة عن الحزن، ولم تشفع لي مقالات الإدارة والتأملات في إظهار صورة المنطق والجدية في شخصيتي وطرحي، أحب أن يقال عني بأنني إنسان، ولكن أحب أن تذكر صفاتي الأخرى ولا يتعامل القارئ مع جانب دون آخر. وبالرغم من نشر مقالاتي الإدارية والتأملية، فالوصف هو أول ما يذكر في حواري مع القراء. باستثناء المذكرات التي يتعجب كثيرٌ من الناس أن تصدر عن تجربة في مثل سني، دون أن يراعوا الظروف التي عشتها قبل وأثناء الكتابة، وابتعادي واستقراري، واختياراتي التي لم ترق لبعض من حولي فابتعدت عنهم قبل أن يقرروا الابتعاد عني. وحدها المذكرات لفتت النظر إلى جوانب فكرية جديدة في أطروحاتي. واشتركت الأعمال في الأبعاد التربوية، والعلاج الإنساني، والعرض البسيط الممتزج مع إيجابيات البشر وسلبياتهم.

الحديث عن البيئة الصحراوية لم يكن واضحاً في كتاباتي، بالرغم من حبي لها وحياتي فيها، بل كان للبيئة الأوروبية أثرٌ أكبر، ودور أكبر، ولن أدافع عن نفسي في هذا الجانب فقد قلت أنني لا أتكلف ذلك. والعمل الوحيد الذي حاولت فيه عرض بيئتي تخلصت منه لأنه لم يصل إلى مستوى تطلعاتي.

الخبرة الحياتية لها دورها بلا شك، وأنا حريص على الفائدة في كل مكان. السياحة عند بعضهم هي رؤية الأماكن (خمسة نجوم)، ولكنني أختلف عنهم، فقد رأيت مارأوه، ثم نزلت إلى أربعة، وثلاثة، واثنين، وواحد، وسرت في الشوارع مثل المشردين، وابتسمت وبكيت، وفرحت وحزنت، وغضبت ورضيت، وعملت في مهن متعددة، كنت عاملاً وموظفاً ومديراً، كنت زوجاً وأباً وأخاً وصديقاً وعدواً، كنت قريباً من الناس أخالطهم كواحد منهم، دون تفريق بين جنس وعرق ودين، وكنت بعيداً عنهم في قمة جبل، أو وسط صحراء، أو مجرى نهر، أو شاطئ بحر.. ومن هذا المزيج تأتي كتاباتي.

البساطة والطموح لا يتعارضان، بل يكسبان صاحبهما قوة، فالجهد الذي أبذله يساوي جهد الآخرين، ولكنني لا أتكلف فتأتي كلماتي معبرة بالرغم من بساطتها. ومن هنا تعلمت أن الصدق هو أفضل طريق في الطرح. استخدم كلمات اللغة نفسها التي يستخدمها الآخرون، ولكنني لا أتعمد ترتيبها وتنميقها، بل أدع لها القياد فتخرج في الصورة التي تريد، مع مروءة تأبى عليّ تزيين القبيح، ودين يرفض تحسين المنكر، وعقل يزن ويقارن ويرجح، وحب جارف وعاطفة ملتهبة لأمتي. هذا أنا قارئي العزيز، وبين يديك نتاجي الجديد "أكواخ الظلام". 4 العجوز

بدا لي أن صديقي كان خبيراً بهذه الطرقات المظلمة.. ولولا أن الجو كان ممطراً لاستطعت أن أرى الطريق متسخة جداً.. كنت مستمتعاً بالرحلة على كل حال.. لم تكن هذه زيارتي الأولى لتلك المدينة.. لكنها كانت بلا شك زيارة متميزة.. تعرفت فيها على إبراهيم.. الذي بدا للوهلة الأولى غريب الأطوار.. ولكنك بمجرد أن تتعرف عليه ستعلم أنه ذو قلب أصفى من الماء.. وأرق من النسيم.. لم أستغرب حديثه الدائم عن الجدة فوزية.. تلك المرأة الثمانينية التي كان يتكلم عنها بحماس غريب، فقد كان يجد عند تلك العجوز نوعاً من الراحة والأنس لم يستطع أن يعبر عنه بأكثر من حركات منفعلة من يديه.. ودمعة تترقرق كلما تحدث عن هذه الأسر البسيطة.

- إبراهيم.. أتعرف الطريق جيداً أم أنك تقود بشكل عشوائي.

ابتسم لي، وأخذ ينشد كلمات حزينة.. كان لصوته الخشن أثر من الرهبة في نفسي.. ومع قطرات المطر لحظت انعكاس بعض الأنوار المتفرقة هنا وهناك.. ونظرة ساهمة دامعة في عيني صديقي.

- أتعرف يا عبدالله.. العالم في الخارج محروم.

- لماذا؟

- لم يعرفوا الجدة فوزية.

- ألا ترى أنك تبالغ في هذا الموضوع يا عزيزي؟

- أنت أيضاً لم تفهم ما تعنيه بالنسبة لي.

ابتسمت له.. مشجعاً على البوح..

- أكمل، قل لي ماذا تعني لك؟

.. كنت أحب الاستماع إليه.. طريقته في الوصف تجعلني أعيش تفاصيل الموقف.

- إسمع.. هذه المرأة بقايا جيل.. جيل بدائي عرف صفاء القلب ونقاءه.. ولم يتلوث بالحضارة الزائفة.

كانت السيارة قد بدأت في التخفيف من السرعة.. ربما يعني هذا قربنا من منزل الجدة.. وكان إبراهيم يتكلم في صوت أقرب إلى الهمس..

Pages