أنت هنا

قراءة كتاب ذاكرة الطين

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
ذاكرة الطين

ذاكرة الطين

كتاب "ذاكرة الطين" - قراءة في دلالات النصّ السياسيّ والثقافيّ في العراق؛ هو إصدار فكري جديد، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر للعام 2013،  و إصداره هذا يقرأ تاريخ وحاضر العراق في جميع المراحل التي وصفت بأنها دموية وقد خلفت حزنًا تاريخيًا لا انقطاع له في ا

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 4
منذ أن بدأت رحلة القراءة والمتابعة وأنا أفكر بالروائي الكبير غائب طعمة فرمان الذي غاب جسدا عن العراق في العام 1958 ولم يغب عن تفاصيله اليومية الصغيرة، وبقي يكتب من موسكو عن المقهى والزقاق والحارة والنخلة وكل المفردات التي فارقها نحو أربعين عاما، حتى رحيله في أوائل التسعينات، حيث احتضنت موسكو رفاته، تلك المشاهد التي دوّنها في رواياته (آلام السيد معروف، النخلة والجيران، المرتجى والمؤمل، ظلال على النافذة، خمسة أصوات، المخاض، وغيرها) حملت كل معاني الذاكرة المكتنزة بالوطن حتى أدق التفاصيل، وحين بدأت رحلتي من محطة القطار في بغداد إلى البصرة ومن هناك إلى ساحة الصفا بالكويت سنة 1979 ثم إلى البعيد والأبعد، تعمقت العلاقة مع روايات غائب طعمة فرمان وفهمت معنى أن يجول العراقي في عواصم ومدن ومطارات الأرض ليعود في لحظة صمت إلى نفسه ويبكي··
 
وفي كل مرحلة من مراحل الاندفاع نحو الكتابة تقفز إلى المقدمة خطة عمل لكتاب عن الذاكرة، ولكن أعود إلى السؤال نفسه: ماذا أكتب؟ الذاكرة؟ حسنا لقد خرجت من العراق وعمري خمس وعشرون سنة! هل هذه السنوات كافية للإجابة عن سؤال كبير كهذا؟ لم يتسن لي هضم ماجرى في التحولات المصيرية الصعبة آنئذ، ولذلك ليس من الممكن أن أفتح نافذة الأحداث، خاصة بعد أكثر من ثلاثين عاما من البعد عن طبيعة التعايش الحقيقي، وما يفرزه بالضرورة من رؤى ومواكبة وانسجام يومي مع الناس والحياة، وإذن فإن مسارا آخر لا بد منه سوف أسميه الإجابة عن بعد، هل يحق لي ذلك؟ أزعم أن الجواب نعم·· ولكن مرة أخرى لماذا نعم؟؟ هل لأنني عراقي فحسب؟
 
***
 
لماذا يتحول التاريخ إلى خرافة؟ والخرافة إلى حروب وأحقاد؟
 
لماذا ننقل الماضي إلى المستقبل؟ فنهجر الحاضر ونقتل المستقبل!
 
أسئلة مؤجلة واجهتني بها بناتي الثلاث، اللاتي ولدن وتربين وتعلمن بعيدا عن العراق·· إنهن فصل آخر في كتاب (العراق العظيم)، وهن يكبرن دون أمل برؤية الوطن، ودون أي علامة من هناك سوى ثقافة العنف ومشهد الدم··
 
في السبعينات بدأت الأسئلة، وكنا في مواجهة متغيرات غامضة، ثم الحرب، وثم الخطاب العسكري الجديد على مجتمع مسالم، في كل تلك السنوات كانت الأسئلة ذات طابع عام أحيانا وطابع خفي أحيانا أخرى، لكن عندما بدأت التحولات السريعة بعد التاسع من أبريل / نيسان عام 2003 أصبحت تلك الأسئلة تدخل في العمق السياسي والاجتماعي والثقافي والتاريخي، بل حتى الأزياء واللهجة والأسماء والقبائل والأمكنة·· ومع كل حالة تأمل لمفردة العراق يسيطر معنى واحد وهو أن هذا البلد عجيب! لا يمكن تلخيصه أو تبسيطه·· وفي مواجهة هذه الأسئلة البريئة ثمة أخرى لم تكن صادرة فقط عن رغبة في معرفة ما، وإنما هي مبطنة ومغرضة حين تصدر عن آخرين ممن نصادفهم في هذه الرحلة الطويلة، موظف الاستقبال في فندق، سائق سيارة أجرة في بلد ما، عابر في مقهى، عناوين الصحف اليومية، صديق يومي لم يسبق له أن فتح بوابة الأسئلة عن نسب السكان طائفيا في الشمال والوسط والجنوب، وحتى محاسب المدرسة أو صاحب العمارة الذي نلتقيه في أوقات دفع الإيجار، كل هؤلاء وغيرهم يسألون!! ويضعوننا أمام السؤال: ما العراق؟

الصفحات