رواية "رؤوس الحرية المكيّسة" للكاتب العراقي جاسم الرصيف، تتألق بحفر قيمة اللحظة الفاصلة، بين المواطنة الصحيحة للإنسان في بلد حر، والمواطنة المسلوبة في بلد محتل، ليضع على ف أدب المقاومة العربية نجمة إبداع كبيرة مستهلها الإهداء إلى من رفضوا وظيفة مسامير أحذية
أنت هنا
قراءة كتاب رؤوس الحرية المكيسة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 8
كاشان
حالما فرقعت مكبرة الصوت بآذان الفجر من برج (الثالولة) إستيقظت (كاشان) مثقلة بصداع، لم يمنعها من تفقد أكياس النفايات، التي هيأها (البدراني)، حسب أصولها المعدنية، لهذا اليوم· أنعشتها لذعة البرد فتمطت، فيما كان الليل ينحسر عن زرقة داكنة، ثم أيقظت البنات من (دوخة الفساء!!)، كما إعتادت أن تقول لهن متأففة كل فجر، وعادت إلى غرفتها·
أغلقت الباب بالمفاح، وأخرجت رزمة من النقود من مخبأ سري، تحت فراشها، مغطاة بأحذية عتيقة، لايثير مرآها ألإنتباه، ثم عادت الى الحوش· كان محرك السيارة العتيقة، التي تمتلكها ولا تعرف كيف تقودها على أمل أن تتعلم ذلك ذات يوم، يشخر ويطلق أصواتا تشبه أصوات إطلاقات نارية، بين فترة وأخرى!! وكان ذلك إشارة صوتية غير مخطط لها يعلم منها اهل (الثالولة) أن الخضار الطازجة ستصل المحلة بعد ساعتين أو ثلاث· أخذ (البدراني) رزمة النقود ومضى، وهو يلعن، كما إعتاد كل صباح، ظاهرة الغش الذي ضرب كل شئ، حتى وقود السيارت، من جراء الحصار·
مع أوائل أشعة الفجر، إجتمعت (أصابع كاشان النظيفة)، أو (شركة الشيطان)، كما يحلو لبعض الساخرين تسميتها، في حوش البيت القديم بإنتظار توجيهات (كاشان)· تأكدت هذه من حضور الجميع، ثم كررت ذات التعليمات التي كانوا يسمعونها كل صباح: النبش الجيد، وألإنتباه والسرعة، ثم (توكلوا على الله)·
وكما في كل يوم تأخرت مجاميع الفتيان بالانصراف ريثما تتقدمها مجاميع الفتيات، (لقياس) مؤخراتهن بأنظارهم اللاهبة، فتغاضت (كاشان) عن هذا (ألإمتياز الخاص) بهم دون فتيان المحلة·
عندما دخل (المخضرم بن عمشة) بسيارته الحوش، راسما على شفتيه الدسمتين إبتسامته الشهوانية البلهاء، وراح يزن النفايات، طير لها بعض كلمات الغزل وهو يدفع لها ثمن كل شئ نقدا، وقبل أن يهم بالذهاب قالت له بهدوء: لدي شئ آخر!!·
أجرى فحصا عاجلا على البندقية، التي (إشترتها ليلة أمس)، ثم وضعها بسرعة تحت أكياس النفايات في حوض السيارة، وعد على يدها رزما من النقود حتى أعلن: مائة وخمسين·
فأطلقت صرخة خافتة مستنكرة: هل تنهبني؟! لا! يفتح الله عليك من غيري!!·
فأضاف خمسين ألفا أخرى وهو يقول لها جادا: هذا ما أدفعه· وأنا سأبيعها لغيري، فماذا أربح؟!·
فأخذتها منه متظاهرة بالإمتعاض من (خسارتها في هذه الصفقة!!)، ومضت قبل أن يسرف في الغزل اليومي نحو الدكان·
بعدما إختفى صوت سيارة (المخضرم) بقليل، شعرت (كاشان) بأن (الثالولة) تهتز ثم تغرق في دوي إنفجار هائل، لم تسمع مثله إلا في الحربين الماضيتين، ثم أصوات طائرات تخطف نفسها في الفضاء· وعندما إلتقطت أنفاسها من رعب المفاجأة، وهي تفكر بأن الحرب قد إبتدأت رغم دعوات وإبتهالات الناس كي لاتحصل، غادرت الدكان بسرعة·
رأت سحابة من الدخان والنيران تنبعث من أعلى (تل الهوى)، حيث موقع الرشاشة الرباعية لمقاومة الطائرات، ولم تر من خندق (الثالولة) غير جسد رجل واحد ملقى عند منتصف السفح، وشلت الحيرة والخوف حركتها في ما تفعله، حتى فوجئت بصيحات الفتيان والفتيات في الحوش القديم، والذين جاءوا راكضين للإطمئنان على ذويهم!!·