رواية "قليلاً...
أنت هنا
قراءة كتاب قليلا.. وشهقة!
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 9
لم النبش يا سارّة· إن ودّك يربكني، واختلاجات البوح تدعوني لتسريبه لك· وتودّين التعرّف إليها·· كيف أقدمها إليكِ ؟، بصورة انطوت على ملامحها عشر سنوات، وروح استعاده نافخُهُ، جسد طالبت به الأرض الأم، ودثّره الرمل الملتحف بزهور اللِّيلِي·
بالابتسامة نفسها، قدّمتُ الرد المكرور··
- منذ أكثر من عشر سنوات انتزعها المرض، لكني متأكدة أنها كانت ستفرح بالتقائك·
أشفقت عليها فورة حزنها· طمأنتها، وتقبلتُ عرضها الطيب للإنصات لي وقتما استدعت الحاجة، عرضًا اعتدته من الكثيرين الذين يختفون بعده مباشرة· سارّة قدّمت لي نفسها أختًا وصديقةً وفيّة، وسندًا يمكن الوثوق به، وضغطت على كفي بودّ·
استأذنتها، كان ميعاد زيارة شريفة قد اقترب· وقبل أن أهم بالمغادرة، ناولتني مغلفًا بداخله سيكون اسم الشخصية التي سأضع لها أسئلة المحاورة·
لا أدري كيف عُدتُ ليقْظتي وأنا أركن السيارة أمام باب البيت الكبير· إنّ الوعي حين تَخلّيه عنا يُلزم الروح الأوفى بأن يقتادنا بكل المحبة لوجهتنا· قد سلّمتُّ يقيني له طوال الطريق، وتركت لعقلي احتراف الطحن تكرارًا لحبوب الذاكرة·
لا أدري بأيّ وجه ستأتيني شريفة، وكم مقدار الوجع الذي ستذرفه كعادتها في حضني· لكني دومًا بكامل استعدادي لاحتوائها· في داخلي يقين من أنني أعبر حياتها لأمتص السمّ من أطرافها، وأرميه بعيدًا فتعود لها مجددًا الحياة، وتقوى على الاستمرار·
صرت مؤمنة بأن بُعدنا وقلّة بياتي عند العُودة تكفّلا بتقريبنا مجدّدًا، ومحو الألم من ذاكرة لازالت تحتفظ بكل مشاهد الفواجع في ذلك البيت·
لشريفة شقاوة تجاوزت براءة طفولتي، وحساسيّتي المفرطة· إني أدين لها بكثير من النضج المبكّر الذي أطعمتني إياه دون قصد من تجاربها ومعاناتها·
شريفة ابنة عمّي عبد الله، القاطن مع العُود والعُودة في البيت الكبير، عمّي النقيض لوالدي· لم ينعدم الشبه بينهما بالشكل فقط، بل تعدى ذلك ليشمل الطباع والقلب والعاطفة، كانا بغير نقاط التقاء فيما بينهما·
كثيرًا ما رمت شريفة حسدها إليّ، لأنني ابنة جعفر وماريا، وتمنّت بكلّ حرقة قلبها بعد كل صرخة أو ضربة من عمّي لو كانت هي مكاني وتبادلنا الأدوار· كنت أتساءل، أيّ إغراء يلتمع على سطح التيتّم المبكّر والاغتراب!


