كتاب "الإلاسم والتنمية"؛ هذه محاولة لتلمس الخطوط العريضة للإسلام والتنمية·· ذلك أن الإسلام بجانب كونه دينا ذا مبادئ ومضامين سامية ونبيلة تهدف إلى خير البشرية·· وهذا في حد ذاته يصب في محصلة الرقي للفرد والأمة·· فإنه يمثل مشروعا حضاريا يحمل مضامين فيها كل معا
أنت هنا
قراءة كتاب الإسلام والتمنية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 4
التقــوى
والتقوى في الإسلام·· لا تقتصر على العبادات·· ولكنها تمثل الفضاء الإنساني كله· من المهم أن تكون التقوى حاضرة في العبادات·· وحاضرة في المعاملات·· وحاضرة في الشأن الاجتماعي·· وفي الشأن السياسي·· وفي الشأن الاقتصادي·· وفي الشأن الثقافي·· وفي أي شأن من الشؤون·
والتقوى لها أبعاد شتى·· ومنها الطهر والفضيلة والإخلاص والصدق والموضوعية والتجرد عن الهوى· ولاريب أن أي واحدة من هذه الصفات·· هي في حد ذاتها قيمة خلقية مطلوبة ومحمودة·· ولها دور كبير في ارتقاء الإنسان·· وارتقاء المجتمع والتغلب على أوزاره وسوءاته·· ومواجهة كل موجات الفساد والإفساد والقمع والتسلط·· والاستئثار بالثروة والسلطة وإقصاء الآخرين أو استعبادهم· ولو كانت التقوى حاضرة بأبعادها المتعددة·· لأصبح المجتمع مجتمعا فاضلا بكل معنى الكلمة·· وأصبح الإنسان إنسانا يستحق الاستخلاف في الأرض·
ولاريب أن الإسلام·· في جوهره ومثله ومبادئه السامية·· قد يقاربها الواقع·· كما هو الحال في الحقبة المشرقة من التاريخ الإسلامي·· أو قد ينأى عنها الواقع·· كما هو الحال في الحقب غير المشرقة في التاريخ الإسلامي وفي الحقبة الراهنة· وهو في جوهره ومثله ومبادئه السامية·· إنما يمثل إطارا مرجعيا يهتدى به·· والاستهداء به مطلوب·· ولكن ذلك يعتمد على قوة الوازع الديني أو ضعفه·
والوازع الديني هو المحرك للسلوك في اتجاه الصلاح والإصلاح· ومعروف أن الوازع الديني كان أقوى في حقبة التاريخ الإسلامي المشرقة·· ثم أخذ يتوارى إلى حد ما ذلك الوازع الديني·· فانقلب الأمر إلى حرب عصابات وحرب قبائل·· سعيا للسلطة والتسلط والاستئثار بالقوة والثروة واستعباد الآخرين أو استخدامهم أو استغلالهم·· واختزل الدين في العبادات والمعاملات التي تدخل في إطار الأخلاق العامة على صعيد المجتمع·· واختزلت التقوى في هذا الإطار·· وكأنه لا يخرج الوازع الديني عن هذا الإطار·· خصوصا فيما يتعلق بأي أمر له دخل أو مساس بالشأن السياسي·· حتى لو كان الأمر في جوهره اجتماعيا أو اقتصاديا أو ثقافيا·
ومما لاشك فيه أن كثيرا من الأمور تتداخل مع بعضها البعض·· أو تتقاطع مع بعضها البعض·· وقد يكون هذا التداخل أو التقاطع مع الشأن السياسي مجلبة للقمع والتنكيل والتعذيب ممن سطوا على السلطة وسطوا على الثروة واستعبدوا الناس أو استرهبوهم· إن قصيدة قد تكون رائعة السبك·· ورائعة المعاني·· ورائعة الصور·· ولكن يشتم منها أو قد يؤول بيت أو كلمة منها أن فيها خدشا للسلطة·· إذ ذاك تذهب القصيدة مع صاحبها تحت القبضة الحديدية المتسلطة·· وقد يسطر كاتب مقالة عن الهوة بين القلة المترفة·· والكثرة الضائعة أو الجائعة·· فتعتبر المقالة قذفا بالنسبة للقلة التي ملكت نواصي السلطة والثروة·· فتذهب المقالة مع كاتبها إلى حيث يشاء مزاج السلطة وفي أي معتقل أو منفى·
وفي التاريخ الإسلامي شواهد عديدة على ذلك·· ولا يحتاج الأمر إلى تبيان ولا أدلة إلى سرد·· فالأمر واضح أكثر من الوضوح·· والأدلة تملأ عددا من أمهات الكتب·
ويتضح من ذلك أن مرجعية التقوى·· قد أطرت في إطار ضيق·· والوازع الديني·· قد توارى إلى حد كبير·· ولو كانت التقوى حاضرة بإطارها الواسع والوازع الديني قويا·· لاستقام أمر السلطة·· وأمر المجتمع·· وأمر الفرد·· فمرجعية التقوى·· واحدة·· وحين تكون هي المرجعية الحاكمة·· فإن الفرد في المجتمع·· سيكون سعيه للصلاح والإصلاح من جوهر التقوى ولو تكبد في سبيل ذلك مشقة وعناء وتضحية· والسعي إلى الصلاح والإصلاح بحكم هذه المرجعية الحاكمة يجب أن يتمثل في سلوك السلطة أو القابض على زمام السلطة·· ولو كان في ذلك ما يعتبرونه تنازلا عن قدر من السلطة والثروة·· وما كان بالضرورة تنازلا·
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر·· من جوهر التقوى·· ولكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر·· ليس هيئة يختارها فرد·· ولكنها هيئة يختارها المجتمع مع أنها واحدة من واجبات المسلم·· إلا أن إيكالها إلى هيئة يختارها المجتمع راجعا إلى المرجعية الحاكمة وهي التقوى قد يكون أدعى إلى الضبط والتنظيم·· كما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر·· لا يقتصر على مراقبة وضبط سلوك الأفراد العاديين·· وإنما يتجاوز ذلك إلى مراقبة وضبط سلوك كل الأفراد بما في ذلك الحاكمين·· ومن هنا فإن اختيار أعضائها من قبل المجتمع أدعى إلى قدرتها على مراقبة وضبط الحاكمين·· إذ ان اختيارهم لهذه الهيئة يجعلها جزءا من المؤسسة الدينية الرسمية التي تمتثل لأوامرهم ورغباتهم·· ولا تستطيع أن تعصي لهم أمرا·· بل إنها قد توظف الدين لشرعنة أوامرهم أو رغباتهم·


