هذا دليل موجز ، إلى أبرز مراجع ترجم العلماء ، والأدباء ، والمصنفين في كل فن فنون التراث العربي ، على اختلاف مناهج هذه المراجع ، مع ذكر شيء من كتب الضبط والتقييد ، وكتب البلدان (الجغرافيا) ، ومراجع الكتب والمصنفات (المراجع الببليوجرافية) التي تعين على رصد حر
أنت هنا
قراءة كتاب الموجز
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 8
فكان النظر في هذين المعجمين الكبيرين مغنياً عن النظر فيما سواهما ، للذي قيل : "كل الصيد في جوف الفرا " . لكني وقعت على ما يقتضي التوقف في هذا الحكم :
وذلك ما أثاره ابن الأثير ، في النهاية ، حين عرض لشرح حديث : "أتاكم أهل اليمن ، هم أرق قلوباً وأبخع طاعة" .
قال : "أي أبلغ ، وأنصح في الطاعة من غيرهم ، كأنهم بالغوا في بخع أنفسهم ، أي قهرها وإذلالها بالطاعة" .
ثم قال : "قال الزمخشري : هو من بخع الذبيحة : إذا بالغ في ذبحها ، وهو أن يقطع عظم رقبتها ، ويبلغ بالذبح البخاع – بالباء – وهو العرق الذي في الصلب ، والنخع ، بالنون : دون ذلك ، وهو أن يبلغ بالذبح النخاع ، وهو الخيط الأبيض ، الذي يجرى في الرقبة . هذا اصله ، ثم كثر حتى أستعمل في كل مبالغة . وهكذا ذكره في كتاب الفائق في غريب الحديث وكتاب الكشاف في تفسير القرآن ، ولم أجده لغيره ، وطالما بحثت عنه في كتب اللغة والطب ، والتشريح، فلم أجد البخاع – بالباء – مذكوراً في شيء منها" .
هذا كلام ابن الأثير ، والأمر على ما قال ، في كتابى الزمخشري : الفائق ، والكشاف ، وأيضاً جاء بعضه في أساس البلاغة .
قلت : هذا الذي تعقب به ابن الأثير ، الزمخشري ، وقد شاع في معاجم المتأخرين : ابن منظور ، والفيروزابادي ، والمرتضى الزبيدي . ويدل سياق هؤلاء جميعاً في كتبهم ، على أن الزمشخري منفرد – دون اللغويين – بذكر "البخاع" بالباء الموحدة ، حتى ليقول الزبيدي ، بعد حكاية كلام ابن الأثير ، والفيروزابادي : "قال شيخنا : وقد تعقب ابن الأثير قوم ، بأن الزمخشري ثقة ثابت ، واسع الاطلاع ، فهو مقدم" .
فهذا كلام دال بوضوح ، على أن الزمخشري منفرد بذكر هذا القول ، وأن انفراده به لا يطعن فيه ؛ لأنه ثقة مأمون .
وقد وقعت على نص عالٍ موثق ، يدل على أن هذه التفرقة بين "البخاع" بالباء الموحدة، و "النخاع" بالنون ، تفرقة قديمة ، سابقة على الزمخشري المتوفى سنة (538) . وذلك ما ذكره ابن فارس ، المتوفى سنة (395) ، في كتابه معجم مقاييس اللغة :
قال رحمه الله : "قال أبو علي الأصفهاني ، فيما حدثنا به أبو الفضل محمد بن العميد ، عن أبي بكر الخياط ، عنه ، قال : قال الضبي : بخعت الذبيحة : إذا قطعت عظم رقبتها ، فهي مبخوعة، ونخعتها : دون ذلك ؛ لأن النخاع : الخيط الأبيض الذي يجرى في الرقبة وفقار الظهر. والبخاع ، بالباء : العرق الذي في الصلب" .
فأنت ترى أن الزمخشري مسبوق فيما ذهب إليه ، بهذا الذي حكاه ابن فارس ، بإسناده إلى الضبى . وقد خفى هذا على ابن الأثير ، ومن جاء بعده : ابن منظور ، والفيروزابادي ، والمرتضى الزبيدي ، وشيخه محمد بن الطيب الفاسى ، وإن كان هذا قد أحال على الثقة بالزمخشري وسعة اطلاعه .
وواضح أن هناك فرقاً بين أن تفزع إلى المعاجم ؛ لتصيب معنى لغوياً لما يعرض لك من ألفاظ ، وبين أن تكون بإزاء قضية لغوية ، تريد أن تنتهي فيها إلى رأي حاسم قاطع . هنا لا يغنيك النظر في هذين الكتابين – اللسان والتاج ، مع سعتهما وإحاطتهما – عن الرجوع إلى غيرهما ، من صغر الكتب وأوسطها ، وهنا أيضاً لا يفيدك قول أبي الطيب : ومن ورد البحر استقل السواقيا .
أن علماءنا الأوائل ، رحمهم الله ورضي عنهم ، لم يكونوا يعبثون حين يتوفرون على الفن الواحد ، من فنون التراث ، فيكثرون فيه التأليف والتصنيف ، ويدخل الخالف منهم على السالف.
ونعم ، قد تجمع بعضهم جامعة المنزع والمنهج العام ، ولكن يبقى لكل منهم مذاقه ومشربه ، كالذي تراه من اجتماع أبي جعفر الطبري ، وعماد الدين بن كثير ، على تفسير القرآن الكريم بالمأثور ، وافتراقهما في أسلوب التناول ومنهج العرض .
ولم يكن النحاة يعانون من الفراغ ، أو قلة الزاد ، حين عكفوا على كتاب مثل "الجمل" لأبي القاسم الزجاجي ، فوضعوا له مائة وعشرين شرحاً .
ومن الغريب حقاًَ إننا ل نجد باساً أن يكثر الدارسون المحدثون من التأليف في الفن الواحد، كتباً ذاهبة في الكثرة والسعة ، كالذي تراه من التأليف في فنون الشعر والقصة والمسرح، ثم نحجر على أسلافنا ، ونعيب عليهم من ذلك ، ثم ننعتهم بالثرثرة والدوران حول أنفسهم ! ولكنها آفة الذين يلتمسون المعابة لأسلافهم بالظن الخادع ، والوهم الكذوب .


