أنت هنا

قراءة كتاب نافذة على الحداثة - دراسات في أدب جبرا إبراهيم جبرا

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
نافذة على الحداثة - دراسات في أدب جبرا إبراهيم جبرا

نافذة على الحداثة - دراسات في أدب جبرا إبراهيم جبرا

يتناول الدكتور عيسى بلاّطة، أستاذ الأدب العربي في جامعة ماكجيل بمونتريال / كندا، في هذا الكتاب مؤلفات صديقة الراحل جبرا إبراهيم جبرا بالتحليل والدراسة في خمس مقالات نقدية، ويبين دوره الفعّال في إرساء الحداثة في الأدب العربي المعاصر، بصفتها نابعة من أصالة ال

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 2

وقد أدرك جبرا أن وضع الشعر العربي هذا هو من الرواسب الثقافية المعوقة، إذ لا يمكن لهذا الشعر أن يستوعب حركية العصر الحديث المتفجر بكل جديد وأن يعبر عن التغييرات الثورية التي ألمّت بالمجتمعات البشرية، وذلك لرتابة شكله وهالة المعاني القديمة المرتبطة به· لم يكن موقف جبرا هذا نابعاً عن جهل منه لقيمة التراث الشعري العربي وغناه، بل عن معرفة عميقة بهذا التراث الأصيل وتقدير شديد لإنجازاته الجليلة وحبّ صادق للنُسغ الحي فيه ورغبة قوية للإضافة إليه وتجديده· لذلك عمد إلى كتابة الشعر الحر وأدخل فيه من الصور والمواضيع والموسيقا ما اعتقد أنه يضيف إلى التراث ويجدده ويجعله جزءاً فاعلاً في العصر الحديث·
وأول ما يلفت النظر في شعر جبرا الحرّ أنه لا يتقيد فيه بالأوزان والقوافي وقواعد العَروض التقليدية· بل إنه لا يتقيد حتى بالتفعيلة كوحدة إيقاعية ضرورية فيه شأنَ الشعر الحر الذي كتبه بعض شعراء جيله مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وأدونيس وصلاح عبد الصبور وغيرُهم· وقد أصرّ جبرا على تسميته شعراً حراً ورفض تسميته شعراً منثوراً أو قصيدة نثر لأن هذه تسميةٌ لنوع آخر من الكتابة ليست ما قصده هو· إن ما قصده، هو الشعر الحر الذي عُرف في الغرب باسم Free verse بالإنجليزية، أو Vers libre بالفرنسية· وقد أراد جبرا لشعره الحر هذا أن يخرج بقارئه من جوّ الشعر التقليدي خروجاً كاملاً، وكأنه كان يخشى إن هو أبقى فيه شيئاً من لوازم الشعر التقليدي كالوزن مثلاً، أو حتى كمجرد التفعيلة منه، أن يخون المسؤولية الملقاة على عاتقه وأن يرمي القارئ بذلك في جوّ الشعر التقليدي فيسمح له بالطرب السطحي بالوزن الرتيب المتكرر الذي يدغدغ منه الحس الخارجي ولا يتعدّاه إلى عمق المضمون الجديد فيه المتعانق مع الشكل الجديد·
كان جبرا يدرك أن الموسينقا من لوزام الشعر، ولكنه لم يكن يريدها موسينقا تقليدية آتية من الأوزان والقوافي التقليدية التي كان نيخشى رتابتها وصداها الثقافي القديم وموحياته· لذلك ابتكر لشعره الحر موسيقا جديدة قوامها الإيقاع الداخلي في تخيّر الكلمات وصياغة الجُمل وبناء الأفكار أو الصور بحيث تنمو القصيدة بذلك نمواً داخلياً يصعد بتدرّج إلى ذُروة فنية· وهكذا تظهر الموسيقا الجديدة وهي جزء لا يتجزأ من الفكرة أو الصورة، وتتجلى متحدة بها في التعبير عن غرض القصيدة· ولذلك يختلف الإيقاع في شعر جبرا من قصيدة إلى أخرى حسب غرضها· ويبلغ في القصائد الطويلة حداً من التنوع والتماسك والاتنسجام يقارب إيقاع البناء السمفوني في هبوطه وصعوده، في مزاجاته وتقلّبات أحواله داخل القصيدة الواحدة· والأمثلة على ذلك كثيرة، ولعل أقربها إلى التناول هنا قصيدتُه الطويلة التي عنوانها المدينة في ديوانه الأول تموز في المدينة المنشور سنة 9 5 9 1ن· (جبرا إبراهيم جبرا، المجموعات الشعرية، رياض الريس للكتب والنشر، لندن 0 9 9 1، ص 2 2 ــ 1 3 )·
تبدأ هذه القصيدة بتصوير المدينة بشوارعها المقفرة في الظلام وأبواب حوانيتها المقفلة في الليل، وتشير إلى الصباح الذي يلي الليل بدون تغيير في حالة الناس الذين يقضون حياتهم في العُقم والسقم، بينما الشاعر تتلوى في رأسه ألف فكرة عاصفة هو عاجز عن الفعل· لكنه يرى في دورة الفصول عزاء وسلوى، لأنه يعرف أن العدم لن يدوم فالبذرة ستنمو وتصبح ساقاً تحتوي غضبة الشتاء وفرحة الربيع، ثم يشتعل الثمر فيها بالشمس صاحكاً لكل يد تقطفه على الرغم من خشية الناس من هجمة الريح وتطويح العاصفة، فهم يتتمنّون أن لا تهبّ العاصفة، بينما الشاعر يتوقعها وينتظرها لتجلو عنهمالظلال والأشباح وترصع أشجارهم بالبراعم والزهَر، فيما يتأرجحون بين تيه من الشبق وتيه من الجوع والقلق· بل إنهم يطلبون إليه أن ينصرف عنهم ليواصلوا أعمالهم العاديّة المضنية، ولا يرون ما يراه الشاعر ورء الواقع الأليم من آفاق الخير لهم ولا يؤمنون بخير يأتي· أما هو فلا يقبل الصمت والانسحاب إذ يرى المدينة تبكي وتئن في طلب النوم والاستسلام· بل يرفع دعاءه إلى العواصف رغم اليائسين في الظلام، ويناديها لتُعيد صرخة الحياة إلى الحناجر وتُزيل عن الناس الألم· ويستنزل بها المياه الجارفة لكل عفن والكاسرة لكل قيد، ويستنبع بها الخصب للأرض لكي تتفجر الشمس بعدها خضرة وزهراً للمدينة وضحكة لسكانها مسموعة من كل دار·
يُلاحظ في هذه القصيدة وأمثالها زهدُ جبرا بالنعوت وقلةُ استعماله لمصادر الأفعال، وكثرةُ إقباله على الأفعال ذات الحيوية ولاأسماء المتداولة بين الناس· ذلك أنه يفضل أن يوصل معانيه إلى القارئ بألفاظ تجسيد هذه المعاني بتركيبها في الجملة لا بمجرد نعوتها، ويفضل أن يعي القارئ حركة الفعل فيها لا سكون المصدر· وهذا مما يضفي على قصيدتسه إيقاعاً داخلياً جديداً غير معهود، قد يعتبره بعضهم غريباً· ولكن جبرا يقصده ليبعُد بالقارى عن إيقاع الوزن والقافية التقليدي، ويحثّه على التركيز على المعنى· ويُلاحظ في هذه القصيدة وأمثالها أيضاً استعمال جبرا للتشبيهات والاستعارات الجديدة التي قد يعتبرها بعضهم غريبة على الذائقة العربية· لكن هذه أيضاً مقصودة لكي يبتعد القارئ عن عمود الشعر التقليدي، وينتبه حسّه إلى رؤية جديدة للعصر من خلالها·
ولربما يكون جبرا قد نجح في بعض قصائده أكثر مما نجح في بعضها الآخر، وهذا ما يحدث لكل شاعر· ولكنه في مجموعها حقق تغييراً في الحساسية وإنعاشاً للمخيلة دفعهما إلى مساءلة الذات والانفتاح على الآخر، وحثّهما على التعامل مع تيارات الفكر الجديد بجُرأة ورغبة في الإضافة والانفتاح على الآخر، وحثّهما على التعامل مع تيارات الفكر الجديد بجُرأة ورغبة في الإضافة والتجديد· وبذلك فتح جبرا آفاقاً جديدة للشعر العربي، رآه فيها بعض النقاد والقراء قد ابتعد عن الذائفة التراثية ابتعاداً أكبر من ابتعاده عنها في ما كتبه من نثر· فأكثرُ النقاد والقراء يعتبرون جبرا كاتب نثر، بل كاتب رواية في الدرجة الأولى، ويُلحقون شعره بنتاجه الأدبي إلحاق المستدرك لمن كادت أن تفوته الحقيقة· والواقع أن شعره في الطليعة من تحقيقه للحداثة في الثقافة العربية·
أما في النثر فجبرا هو نفسه في حداثته، إلا أن شكل هذا النثر الخارجي لا يثير لدى النقاد والقراء شعوراً بزنه بعيد عن النثر المعنود لديهم· فهو نثر أنيق فصيح، سواء كان في القصة القصيرة والرواية أم في النقد والمقالة· غير أن المتمعن فيه يلاحظ الأفكار الحديثة التي يطرحها جبرا دائماً في كل ما يكتب من نثر، ويلاحظ الأساليب الشكلية الجديدة التي يستعملها وخصوصاً في سرد الرواية·
المعروف أن لجبرا ست روايات وأنه كتب رواية سابعة مع الدكتور عبد الرحمن منيف هي رواية عالم بلا خرائط (3 8 9 1)· وعلى الرغم من أن روايات هذه مجانسة لبعض روايات العصر في شيء من مواضيعها واهتماماتها، إلا أن فن السرد فيها كثيراً ما يتميز بطريقة خاصة· كان جبرا يدرك أن الرواية نوع أدبي جديد في العالم العربي وأنه في دور التأسيس، على خلاف الرواية في الغرب التي مرّت بتطور طويل أدى في السنين الأخيرة إلى أشكال حديثة من الرواية فيها كثير من الابتكار والتجريب· وقد كان جبرا على إطلاع بهذه الأشكال الروائية ومحاولات التجريب· ولكنه لم يشأ أن يحذو حذوها قبل أن تُرسّّخ الرواية العربية جذورَها في العالم العربي· غير أنه ترجم إلى العربية شيئاً منها كرواية الصخَب والعنف لوليم فوكنر مثلاً (3 6 9 1)· لذلك أقبل القراء على رواياته القريبة للمألوف لديهم من النثر الواضح· أما هو فوضع همّ الحداثة في رواياته في كيفية السرد وخلق الشخصيات وإحكام الحبكة في ما كتب، وفي معالجته لقضايا زمته ووطنه بتصوير شرائح من مجتمعه العربي، والرمز إلى ما يجب أن يزول فيه من تقاليد ومؤسسات ليصل إلى الحداثة الموجوّة·
وقد يطل الحديث بنا إذا دخلنا في تفاصيل ذلك كله· لكنني أكتفي هنا بالإشارة العاجلة إلى بعض طرق فن السرد التي استعملها جبرا· ومنها مثلاً تعدد الرواة في رواية السفينة (0 7 9 1) بحيث يروي كل منهم مشاهد وأحداثاً من زاوية رؤيته تلتقي كلها في إيقاع روائي بديع· ومنها أيضاً في رواية البحث عن وليد مسعود (7 8 9 1) تسجيل قول البطل في مطلعها على شريط صوتي متروك في سيارته قبل اختفائه لتنظلق الرواية من هذا الشريط في محاولة من أصدقائه بعد اختفائه لتفسير كلامه وعلاقة كل منهم به، وذلك في إيقاع آخر· وفي هاتين الرواتيني، يظهر في جبرا الروائي في تصوير الزمن، فهو ليس زمناً يسير في خط مستقيم من الماضي إلى الحاضر، لكنه يتلوى كثيراً فيعود مراراً من الحاضر إلى الماضي ثم ينتقل منه إلى الحاضر ليسمح للقارئ بمتابعة تطور الأشخاص ويطلع على دخائل نفوسهم وأفكارهم وذكرياتهم إتماماً للغوص في حالاتهم البشرية وينطبق هذا الكلام على الروايات الأخرى، لكن كلاً منها يأتي بجديد آخر من فن السرد كإدخال رواية في رواية في عالم بلا خرائط (6 8 9 1) فلعلها أكثر روايات جبرا قبولاً للتجريب الروائي في السرد والحبكة· والتجريب فيها ليس لمجرد التجريب، وإنما للتشديد على حالة الإنسان في العالم الحديث وهو محاصر من قبل قوى غامضة لا يعرفها تتحكم في شخصيته وتحاول طمس هويته· وقد يكون فيها إشارة إلى ما في العالم العربي من قهر· لكن البطل يخرج في النهاية مالكاً لوعيه وهويته، ومحذّراً من مغبّة الاستسلام للقوى الغامضة المتحكمة في مقادير البشر·
في كل من هذه الروايات حداثة في السرد لأن جبرا فيها تمرّد على أساليب كتابة النثر المعروفة في الماضي، وأضاف إلى تراث النثر في الأدب العربي بتجديد أساليبه والاتجاه إلى حاجات عصره·
ويمكن في الختام أن نقول إن جبرا حقق الحداثة في شعره ونثره على حدّ سواء، وفي كل منهما بالقدر الذي رآه مناسباً لعصره، ووجد بهما طريقه إلى أن يكون مساهماً في حضارة زمنه، وذلك بالإضافة إلى التراث والتمرد على معوقات الماضي فيه والانطلاق إلى متطلبات العصر انطلاقاً سهمياً إلى الأمام يجدد مسار النُسغ الحي في الثقافة العربية بأصالة تقدّرها له الأجيال ويسجلها له التاريخ·
** مجلة كلمات، العدد الثامن (عربي)، كانون الأول 1 0 0 2·
تشريبروك، أوستراليا الصفحات 7 2 ــ 2 3 ·
________________________________________
* القلق وتمجيد الحياة: كتاب تكريم جبرا إبراهيم جبرا، عبد الرحمن منيف وآخرون· بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 5 9 9 1· الصفحات 9 4 ــ 7 5 ·
** مجلة البحرين الثقافية ــ العدد 1 3 ، يناير 2 0 0 2م· الصفحات 0 5 ــ 1 6 ·

الصفحات