اجتاحت المجتمع الانساني ، خلال العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين تحولات كبرى بلغ من عمقها واتساع نطاقها ، ما يجعلها جديرة بوصف " الثورة العالمية " وبخاصة بعد ان امتدت اثارها لتطال كل اوجه الحياة وعناصرها ، محدثة فيها تغيرات جذرية شاملة .
أنت هنا
قراءة كتاب المجتمع المدني والديمقراطية - مقاربة تحليلية في ضوء التجربتين السياسيتين الغربية والعربية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

المجتمع المدني والديمقراطية - مقاربة تحليلية في ضوء التجربتين السياسيتين الغربية والعربية
ووفقاً لمنطق منظري الموجة الثالثة للديمقراطية الغربية ، وكما ذهب (فوكوياما) في نهاية التاريخ . و(هنتنجتون ) في ( صراع الحضارات) ، فإن نجاح المجتمعات والنظم الليبرالية الديمقراطية مرجعه الى خصائصها وآلياتها ، وفي مقدمتها .
- وجود النظام السياسي واستقلال موسساته وفاعليتها.
- وجود المجتمع المدني واستقلال مؤسساته وفاعليتها .
- الديمقراطية والليبرالية كاساس لعلاقة التفاعل القانوني الشرعي بين المجتمع المدني والنظام السياسي.
فاكتسبت بفعل ذلك ومن خلاله القدرة على حماية قيمها وتحقيق أهدافها ، وكانت تلك الخصائص والآليات ، آداتها في ادارة ازماتها وحل مشكلاتها ، وسبب انتصارها وهزيمة اعدائها . وبعكسه فإن افتقار المجتمعات والنظم الأستبدادية الى هذه الخصائص والآليات ، كان المصـدر الأول والأهـم لعجزهـا عن حماية قيمها او تحقيق اهدافها ، وعلة فشلها في ادارة ازماتها وحل مشكلاتها ، وسبب هزيمتهـا وانتصار اعدائها .
وفي سيـاق هذا المنطق ، تمت استعادة الثنائيات أو المزدوجات التقليدية المتضادة ، بمنظور معاصر ، واعيد استخدامها من جديد لوصف حركة التاريخ الإنساني وتفسير صراعاته ، فبدلاً عن ثنائيات ، مزدوجات :
كفار / مؤمنين ، همج / متحضرين ، متخلفين / متقدمـين
حلت ثنائيات / مزدوجات :
مستبدين / أحرار ، شموليين / ليبراليين ، دكتاتوريين / ديمقراطيين
وفـي النموذجين ، كان الغرب مصدر تصميم هذه الثنائيات ومصدر استخدامها واعمامـها في آن واحـد . لذلـك فقد احتكـر لنفسه عناصــرها الإيجابيـة الخــــــــيرة ( الإيمان ، التحضر ، التقدم ) ثم ( الحرية ، الليبرالية ، الديمقراطية )، وجعل عناصرها السلبية الشريرة من حصة المجتمعات الأخرى ، التي اصبح كل ما يقع منها خارج النطاق الحضاري الغربي ، قريناً لـ ( الكفر ، الهمجية ، التخلف ) ثم ( الأستبدادية ، الشمولية، الدكتاتورية ) . وفي قسمـة كهذه ، من المحتم ان يكون الرهان التاريخي مع الأولى ولصالح مجتمعاتها وانظمتها ، ضد الثانية وعلى حساب مجتمعاتها وانظمتها .
وعلى الرغم من افتقار هذا المخطط الحضاري المتعارض والمتصارع ، الى الكثير من شروط العلمية ومقتضيات الموضوعية ، فإن من المتعذر رفض نتائجه كلياً،لان بعض تلك النتائج مبني على وقائع ومقدمات صحيحة ابرزها ما يفيد حضور خصائص الديمقراطية والمجتمع المدني والياتهما في المجتمعات الليبرالية الغربية ، في مقابل غيابها او شكلتيها وانعدام فاعليتها في المجتمعات الأخرى ،و بخاصة المتخلفة ومن بينها المجتمعات العربية .
ولما كانـت هـذه الخصائص والاليات جزءاً من المكونات العامة لخصائص المجتمع السياسي الكلي ( الدولة ) والياته ، فإن حضورها او غيابها ،فاعلية ادوارها او شكليتها ، تغدو كلها مرهونة بنشأة الدولة ، ومحكومة بطبيعة مكوناتها وتوازناتها ، وقوانين اشتغالها وتفاعلها . لذلك فإن البحث عن علل وجود تلك الخصائص والاليات او غيابها ، وتعيين فرص ايجادها او متطلبات تفعيلها الان او مستقبلاً ،يفترض ان تكون البداية مع اصول نشأة الدولة ،لان من المتعذر ( ان ندرك الحياة بدون الدولة …. فإن الدولة تتخلل بدقة متناهية في كثير من شئون حياتنا ، فنحن نعيش حياتنا في بدايتها وحتى نهايتها في اطار محدداتها ) . لذلك فإن اية محاولة لفهم اسباب المشكلات الواقعية ، واتجاهات تطورها ، لابد من ان تبدأ بفهم اطارها الأوسع (الدولة) والنظر اليها بواسطته ومن خلاله ، فكل اشكاليات الحياة وقضاياها ( هي في النهاية اشكاليات ذات صلة بالدولة ) . وعلى هذا الأساس فإن معالجة موضوع هذه الدراسـة واشكالياتها، ستمر عبر معاينة واقع الدولة في النموذجين الغربي والعربي ، وملاحظة ما يرتبط بهذا الواقع من مكونات اساسية تجسدها السلطة السياسية والمجتمع المدني والديمقراطية وعلاقاتها التفاعلية ، تمهيداً للوصـــول من خلال ما هو كائن عربيــــاُ في هذا الخصوص الـــى ما يجب ان يكون .

