اجتاحت المجتمع الانساني ، خلال العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين تحولات كبرى بلغ من عمقها واتساع نطاقها ، ما يجعلها جديرة بوصف " الثورة العالمية " وبخاصة بعد ان امتدت اثارها لتطال كل اوجه الحياة وعناصرها ، محدثة فيها تغيرات جذرية شاملة .
أنت هنا
قراءة كتاب المجتمع المدني والديمقراطية - مقاربة تحليلية في ضوء التجربتين السياسيتين الغربية والعربية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

المجتمع المدني والديمقراطية - مقاربة تحليلية في ضوء التجربتين السياسيتين الغربية والعربية
الدولة في النموذج الغربي
اولاً:-السلطة السياسية
اذا كانت واقعة تعدد المجتمعات الأنسانية وتنوعها واختلافها قيمياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ، قد غدت من بديهيات المعرفة الحديثة وثوابتها الأولية ، التي جعلت الوعي بالخصوصيـات الحضاريـة والمجتمعية وقبول اختلافاتها امراً ممكناً، فإن من نتائج ذلك ومستتبعاتـه ، الوعي بتعدد أشكال السلطة السياسية والقبول بتنوعها واختلافها ،بقدر يتناسب وتعدد المجتمعات التي أنتجت تلك الأشكال السياسية السلطوية ، وتنوع ظروفها وخصائصها ، واختلاف السياقات التاريخية والإجتماعية لنشأتها وتطورها .
إلا ان الأقرار بواقعة تنوع المجتمعات واختلاف مقوماتها وعناصرها ، بما في ذلك تنوع واختلاف الأشكال التنظيمية للسلطة السياسية فيها ، لا يمنع من الأقرار ايضاً بوجود أوجه للتشابه والأشتراك بينهافي قواسم اجتماعية سياسية ، قد تثبت تماثلها وتقاربها ، ولكنها لا يمكن أن تنفى اختلافها وتباينها ، وان بدرجات متفاوتة . وعلى هذا الأساس ، فإن انكار وجود تكنولوجيا سياسية شاملة، لا يعنى غياب مثل هذه التكنولوجيا ، التي تشترك كل الأنظمة في وجودها بنسب متفاوتة واشكال متباينة .
ولكن يبدو ان الأمر يتجاوز حدود اشتراك الأنظمة الأجتماعية والسياسية في عناصر التقنية السياسية ، ليصل الى اشتراكها في الظاهرة الساسية التي هي أصل هذه التقنية ومصدرها والإطار الذي يحتويها. فلم يعد موضع شك او خلاف ان ( السياسة ) ،من حيث هي النشاط النظري او العملي المتعلق بحكم الجماعة الاجتماعية وادارة شوونها ،واستثمار قدراتها، وتنظيم علاقاتها وتفاعلاتها ،وتوجيهها في الداخل والخارج ،تمثل ظاهرة تشترك كل المجتمعات الأنسانية في وجودها وممارستها، وان بأشكال وأساليب تتناسب وطبيعة هذه المجتمعات وتستجيب لظروفها ومتطلباتها . اذ لا غنى لاي مجتمع في كل عصر ومكان عن (السياسة) .
فالأنسان ، ليس كائناً اجتماعياً مفكراً فحسب ، بل انه ايضاً كائن تختلف اهدافه ومطالبه وتتباين قدراته واستجاباته ، ومن المحتم ان يحتاج بصفتيه الفردية والاجتماعية الى ادارة شؤونه واستثمار قدراته وضبط نشاطاته وتنظيم علاقاته وتوجيهها، بما يكفل للفرد وللجماعة الامن وتجنب المخاطر ، وضمان المصالح وتحقيق الاهداف ، بأقل قدر ممكن من الموارد ،وباكبر قدر ممكن من الارباح، وهذا هو جوهر السياسة وروحها .
وقد اكدت التجارب الاجتماعية سواء في صورها البدائية أو المتطورة ، أن وجود الانسان في الاطار الاجتماعي ، يتطلب وجوداً مقابلاً وموازياً لقواعد وانظمة لضبط سلوكه وتوجيه نشاطاته في هذا الاطار ومن اجله ، مما يفيد بوحدة الاساس الاجتماعي للظاهرة الساسية، ومن ثم حاجة كل المجتمعات الانسانية الى السلطة التي تتطلبها ممارسة السياسة ، ويقتضيها انجاز وظائفها وتحقيق اهدافها .
هكذا يغدو المجتمع والسياسة صنوان لا ينفصلان ، فلا مجتمع دون سياسة ولا سياسة دون مجتمع ،ليكون كل وجود اجتماعي وجوداً مركباً لانه وفي ان واحد وجود اجتماعي وسياسي .
الاأن ضرورة السياسة للمجتمع وضرورة المجتمع للسياسة لا تجعل منهما شيئاً واحداً ، وأن كانا كذلك طوال العصور القديمة وفي ظل الاشكال التقليدية القديمة للسلطـة السياسيــــة وبسببها. لانهما وبالاصل متميزان وجودياً، بحكم تميز الكل ( المجتمع ) عن الجزء ( السياسة ) ، ومتميزان وظيفياً بحكم تميز الوظيفـــــة ( السياسة ) عن مادتها و موضوعها وغايتها ( المجتمع ) ، وهو ما يؤسس لاستقلال الفضائين الاجتماعي والسياسي دون أن يتسبب ذلك في انفصالهما أو احداث القطيعة بينهما .
واذ تؤطر السياسة طيفاً واسعاً من الافكار والانشطة المتعلقة بادارة شؤون الجماعة الانسانية ، فأ ن من الطبيعي أن يحتاج ذلك الى بنية متكاملة من المؤسسات والهياكل التنظيمية والاليات الاجرائية التي تتجسد فيها السياسة وتتحقق من خلالها وبواسطتها .
وفي العادة فأن طبيعة هذه المؤسسات والهياكل والاجراءات ومستوي تطورها ودرجة استقلاليتها تتناسب وطبيعة الجماعة التي تنتجها وتلائم ظروف حياتها ومستوى تطورها ودرجة تمايز بنياتها المؤسسية واستقلالها الوظيفي عن بعضها . حيث تفرض الطبيعة الحية والمتفاعلة للجماعة الاجتماعية وتفترض ،ان تكون المؤسسات والهياكل والاليات السياسية فيها ، والتي تأخذ شكل النظام السياسي، مستجيبة لطبيعة هذه الجماعة وخصائصها من جهة،ومتناسبة مع متطلباتها ومصالحها واهدافها من جهة ثانية .وهو ما جعل الانظمة السياسية في العصور والمجتمعات السابقة تتخذ اشكالها التقليدية المعروفةوالمناسبة لها والمتناسبة معها ، مثل رئاسة الجماعة الاسرية ، مشيخة القبيلـة ، زعامة القرية، دولة المدينة ، المملكة ، الامبراطورية ، الامارة ، الاقطاعية ، الخلافة ، السلطنة ، وهذه كلها انظمة سياسية لكنها ليست دولاً " فليس كل مجتمع سياسي منظم دولة .. ثمة اشكال من السلطة لاتمت بصلة الى الدولة " .
وعلى هذا الأساس فإن ما تصفه الدراسات التاريخية الاجتماعية أو السياسية من اشكال النظم السياسية بأنه دولة، اما أن يكون من الاشكال التقليدية القديمة للنظم السياسية ، وعندها لا يكـون وصفه كدولة وصفاً صحيحاً اذ لا يعدو حدود الاستعـــارة المجازيـــة التــي لا تتطابــق فيهــا الصفة ( الدولة) مع الموصوف ( النظام السياسي التقليدي ) . أو أن يكون الشكل الحديث للنظــم السياسية ، والمقترن ظهوره بالحداثة الاوربية ، حيث نتج عنها وانتجها في ان واحد .وعندها يكون وصف هذا الشكل بأنه "دولة State " صحيحاً تماماً ، لانه الشكل الوحيد من اشكال النظم السياسية الذي تتطابق فيه صفة الدولة مع موصوفها، مع بقائه شكلاً واحداً فقط من اشكال السلطة السياسية في المجتمع ولكنه بالتاكيد ليس شكلها الوحيد .
هكذا تكون الدولة منبثقة عن مفهوم السياسة ومرتبطة به كلياً ، مثلما تنبثق عن هذا المفهوم وترتبط به كل الاشكال المفاهيمية التقليدية القديمة للسلطة السياسية في التاريخ الانساني ، وهو ما يجعل السلطة السياسية عامة والدولة تحديداً ، جزءاً من السياسة وليس العكس ، لان الدولة لاتعدو أن تكون مجرد تجسيد كلي وظيفي مؤسسي للسياسة فحسب ، فيما يمكن " أن نعتبر مفهوم السياسة على أنه اوسع نطاقاً من الدولة وفي الحقيقة فأن فكرة السياسة من الممكن … ان تعرف بطرق متعددة ومتنوعة بما لا يتماشى مع فكرة الدولة ، فأن العديد من الانثروبولوجين والسوسيولوجين يمكن أن يطرحوا أن هناك شواهد متعددة على وجود مجتمعات سابقة للدولة ومجتمعات خالية من الدولة . وان معظم العلماء متفقون على ان الدولة هي ظاهرة حديثة نسبياً في سجل التاريخ الطويل للوجود الإجتماعي . فإذا كانت هذه المجتمعات خاضعة لنوع من السلطة او القواعد ، فإنه من الممكن الحديث عن وجود السياسة ولكن ليس الدولة .

