أنت هنا

قراءة كتاب تاريخ العرب - من بداية الحروب الصليبية إلى نهاية الدولة العثمانية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
تاريخ العرب - من بداية الحروب الصليبية إلى نهاية الدولة العثمانية

تاريخ العرب - من بداية الحروب الصليبية إلى نهاية الدولة العثمانية

يعد مصطلح الحروب الصليبية نتاج عدد من التطورات التاريخية، والمفارقات الغريبة المدهشة في التاريخ الأوروبي وفي التاريخ العربي على حد سواء.

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
الصفحة رقم: 7
وهناك من المفكرين من حاول التفرقة بين «الحرب العادلة» و «الحرب المقدسة» بيد أن التمييز بينهما كان صعبا على المستوى النظري من ناحية، كما أن أحدا لم يحاول على المستوى العملي أن يميز بينهما من ناحية أخرى. وفي القرن التاسع الميلادي قام البابا ليو الرابع بإعلان أن من يموت في سبيل الكنيسة سوف ينال ثوابا من السماء، وبعده بسنوات قليلة أعلن البابا جون الثامن أن ضحايا الحرب ضد المسلمين والفايكنج شهداء سوف تغفر ذنوبهم (وهو الوعد نفسه الذي تلقاه المشاركون في الحملة الصليبية فيما بعد). ومن الخطأ أن نعتبر أن هذه الحملات كانت حملات «صليبية».
والواقع أن ليو الرابع وجون الثامن كانا متأثرين بفكر (أشيدر) الأشبيلي الذي قال: «إن الرجال الذين تجعلهم حكمتهم وشجاعتهم جديرين بالسماء هم الذين يسمون الأبطال». وتتمثل أهمية هذه الوعود بمنح الغفران، أنها تكشف عن تأييد البابوية لفكرة الحرب ضد المسيحيين. وبمرور الوقت تحولت الفكرة إلى الهجوم بدلا من الدفاع، وإن ظلت داخل نطاق فكرة أوغسطين عن الحرب العادلة التي يشنها الرجال لكي يستردوا ما هو حقهم. وكان من السهل دائما إلقاء اللوم على الطرف الآخر في الحرب، كما كان من الميسور دائما إيجاد سبب للحرب يبرر موقف من يبدأ.
لقد استخدمت البابوية فكرة الحرب العادلة في القتال الذي كان دائرا ضد مسلمي الأندلس، إذ منح البابا الإسكندر الثاني في سنة 1063م غفرانا للفرسان الفرنسيين الذين ذهبوا لقتال المسلمين في إسبانيا.
وفي رأي كثير من الباحثين أن جريجوري السابع (1073- 1085م) هو الذي صاغ فكرة الحرب المقدسة في شكلها النهائي، وأحدث نقلة نوعية في موقف المسيحية من الحرب. فقد استخدم عبارة «جيش المسيح» للمرة الأولى بالمعنى الدنيوي وليس المعنى المجازي الذي استخدمه القديس بولس. وهناك عدة وثائق تدلنا على مدى التغيير الجوهري الذي أحدثه جريجوري السابع في مفهوم الحرب المقدسة. وهذه الوثائق عبارة عن خطاب بتاريخ 2 فبراير 1074م من البابا إلى الكونت وليم الأول أمير بورجوني يدعوه لنجدة الكنيسة ومحاربة المسلمين الذين يهددون القسطنطينية، وخطاب آخر بعد ذلك بشهر (أول مارس) يدعو فيه «كل الراغبين في الدفاع عن العقيدة» لنجدة القسطنطينية التي وصل المسلمون إلى أسوارها، أما الخطاب الثالث فهو عبارة عن خطاب شكر موجه إلى الكونت وليم السادس أمير بواتييه يشكره على ما قدمه من خدمات للدفاع عن العقيدة. والوثيقة الرابعة التي تعد أهم الوثائق جميعا هي خطاب من البابا إلى الإمبراطور هنري الرابع إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة بتاريخ 7 ديسمبر 1074م يخبره باستعداده للمسير ونجدة الإمبراطورية البيزنطية (التي تدهورت أحوالها بعد هزيمتها أمام المسلمين في مانزكرت «ملاذكرد» سنة 1071م)، وتخليص القديس رومانوس بجيش قوامه خمسين ألف رجل.
ومن الواضح أن الفكرة التي كانت تدور بخلد «جريجوري السابع» كان محورها الحرب المقدسة الهجومية. ولكن النزاع الذي لم يلبث أن نشب بينه وبين الإمبراطور حال دون تنفيذها. ولعل ربط البابا جريجوري السابع بين الحرب ضد المسلمين وفكرة الحرب المقدسة كان يجسد الفكرة القائلة بضرورة استخدام القوة لحماية شعب المسيح من الأعداء، باعتبار أن مثل هذا التبرير يعد سببا عادلا في الحرب. وهذه الذريعة هي التي اتخذها أربان الثاني في كليرمون سنة 1095م، وهو يدعو أمراء أوربا وفرسانها، لأخذ شارة الصليب. فقد ادعت البابوية أن الحملة الصليبية الأولى تقوم على سبب عادل هو مساعدة البيزنطيين ضد المسلمين في الشرق.
وعندما نجحت الحملة الأولى في إقامة مملكة بيت المقدس وعدة إمارات أخرى في المنطقة العربية تغير المبرر الذي اعتبره اللاهوتيون «سببا عادلا» لشن الحرب ضد المسلمين. وتمت صياغة المبرر الجديد على أساس أن الأرض التي شهدت قصة المسيح قد صارت بأيدي المسيحيين حقا، بيد أنها تحتاج إلى قوات عسكرية للدفاع عنها. وقد أكد البابا أجينيوس الثالث هذا الأمر سنة 1145م، وترددت أصداء كلماته في الخطابات البابوية بعد ذلك، حيث قال: «بفضل الرب وحماسة آبائكم، الذين ناضلوا للدفاع عنها (الأرض المقدسة) على مر السنين، لكي ينشروا المسيحية بين شعوب هذه المنطقة، نحج المسيحيون في الحفاظ على هذه الأرض حتى الآن، كما استولوا بشجاعة على مدن أخرى من الكفار.. وسيكون الأمر عنوانا على النبل والاستقامة إذا دافعتم بجسارة عما حققته جهود آبائكم، أيها الأبناء. ولكن إذا جرى الأمر على نحو مختلف، لا سمح الله، فإنه سيبدو واضحا أن شجاعة الآباء قد تلاشت في الأبناء».
وانطلاقا من هذا الموقف الجديد لتبرير الحرب ضد المسلمين تحركت البابوية بعد أن استرد صلاح الدين الأيوبي مدينة بيت المقدس سنة 583هـ/ 1187م. ووجدت البابوية، والمبشرون، ومؤرخو العصور الوسطى اللاتين الفرصة لكي يعيدوا صياغة «السبب العادل» للحرب على أساس استعادة القدس من المسلمين. لقد كانوا يحاكمون زمانهم ويشيرون إلى الأرض المقدسة باعتبارها «مملكة المسيح» التي تنتمي إلى العالم المسيحي، والتي يجب الدفاع عنها، واستردادها من المسلمين.
وقد كانت هذه العبارة وحدها (وقد ترددت كثيرا في خطب الباباوات ودعاة الحركة الصليبية والمؤرخين الذين كتبوا عنها) كافية لأن تكون مبررا لصياغة السبب العادل في شن الحرب ضد المسلمين في الشرق العربي. إذ إن البابوية ركزت دعايتها على أساس ضرورة الدفاع عما تبقى من الكيان الصليبي في فلسطين، بل إن محاولة غزو مصر في الحملة الصليبية المعروفة بالحملة الخامسة سنة 1218م، والحملة التي قادها لويس التاسع سنة 1249م والتي عرفت بالحملة السابعة، والاقتراحات التي لم تنفذ بغزو مصر، كل هذا كان يتم باعتباره محاولة من جانب البابوية، والغرب الأوربي الكاثوليكي للدفاع عن بقايا الوجود الصليبي في فلسطين.
وهكذا كان شرط «السبب العادل» لشن الحرب، كما وضعه أوغسطين، عاملا أساسيا في صياغة مبررات كل حملة من الحملات الصليبية ضد المسلمين في الشرق العربي. بل إن البابوية توسعت في استخدام هذا «السبب العادل» لتبرير حملاتها ضد كل أعدائها من المسيحيين الكاثوليك في أوربا نفسها. وقد أسرفت البابوية في استخدام نموذج «الحملة الصليبية» ضد أعدائها في الخارج والداخل مما أدى إلى ردود فعل سلبية كثيرة. ومنذ القرن الثالث عشر الميلادي حتى الآن خرجت آراء كثيرة تقول إن الحملات الصليبية ضد القوى العلمانية المعادية للبابوية في أوربا لم تكن تستند إلى أساس قوي، ولا يمكن تبريرها. ولكن البابوية ودعاتها حاولوا دائما تبريرها في إطار المفهوم المسيحي للحرب العادلة.
ومن ناحية أخرى، تأثرت الكنيسة في موقفها من الحروب الصليبية بحركة «سلام الرب» التي كانت في بداية أمرها وسيلة تدافع بها الكنيسة عن نفسها. إذ أن الفوضى التي استشرت في أوربا عقب انهيار الإمبراطورية الكارولنجية بسبب المنازعات والحروب الإقطاعية جعلت الكنيسة تحاول تقييد العنف وتضييق نطاقه. فقد انهار النظام العام، وتراجعت الأخلاقيات، وفي كل مكان في أوربا، طوال القرن العاشر الميلادي، كان المحاربون من أبناء الطبقة الإقطاعية يمارسون أفظع الأعمال. وعندما كانت الحروب الإقطاعية تمزق أوصال أوربا الغربية بسبب حال الجوع إلى الأرض في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، ظهرت حركة تدعو إلى السلام من خلال فكرتين أساسيتين هما: سلام الرب، وهدنة الرب. فقد تم عقد مجمع كنسي في شارو سنة 989م أصدر مرسوما بالسلام جاء فيه تحريم مهاجمة ممتلكات الكنيسة، والفلاحين وأملاكهم، ورجال الكنيسة، مع تهديد كل من ينتهك هذه الشروط بالوقوع تحت طائلة عقوبة الحرمان. وتم التأكيد على قرارات هذا المجمع في السنة التالية في مجمع كنسي عقد في لوبوي، وجاء مجمع بواتييه سنة 1000م تأكيدا على هذا الاتجاه، الذي اتخذته الكنيسة الكاثوليكية للحد من أضرار الحروب الإقطاعية. لقد تدخلت الكنيسة لحماية أملاكها ورجالها، ولكن المجتمع كله أفاد من نتائج هذه الحركة.

الصفحات