يعد مصطلح الحروب الصليبية نتاج عدد من التطورات التاريخية، والمفارقات الغريبة المدهشة في التاريخ الأوروبي وفي التاريخ العربي على حد سواء.
أنت هنا
قراءة كتاب تاريخ العرب - من بداية الحروب الصليبية إلى نهاية الدولة العثمانية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

تاريخ العرب - من بداية الحروب الصليبية إلى نهاية الدولة العثمانية
الصفحة رقم: 8
وفي معاهدات السلام الباكرة في شتى أنحاء أوربا كان النبلاء الإقطاعيون يقسمون على مراعاة حصانة رجال الكنيسة، والمدنيين، وأملاك الكنيسة أيضا. ومنذ سنة 1040م فصاعدا بات من المعتاد إصدار مراسيم تحرم القتال في أيام معينة، وهناك عدة وثائق من هذا النوع، منها نص وثيقة هدنة الرب التي عقدت في أسقفية تيروان سنة 1063م، وهي تحدد فترة «هدنة الرب» بأربعة أيام وخمس ليال تبدأ بغروب شمس الأربعاء، وتمتد حتى شروق شمس الإثنين، وكل من يخرق هذه الهدنة يعرض نفسه لعقوبة الحرمان.
ويبدو أنه كلما مر الزمان كانت نصوص مراسيم هدنة الرب تزداد تشددا، إذ توجد وثيقة عن مرسوم بهدنة الرب صدر سنة 1083م على يد أسقف كولون، تبدو نصوصها أكثر تشددا من نصوص هدنة الرب الصادرة عن أسقفية تيروان قبل عشرين عاما.
ثم كانت المرحلة الأخيرة متمثلة في محاولة القضاء على الحروب الإقطاعية تماما. ويمكن إرجاع الفضل في تطور حركة السلام إلى الرهبان الكلونيين الذين ارتبطوا بحركة الإصلاح الكلونية. لقد كان المصلحون الكلونيون يستهدفون إصلاح الحياة الديرية والكنسية الكاثوليكية والعالم الغربي.
كان إصلاح الديرية يستدعي وضع أسس جديدة ودستور جديد للرهبان، وكان إصلاح الكنيسة الكاثوليكية يعني إصلاح البابوية بالقدر الذي يمكنها من التصدي للعلمانيين، أما إصلاح العالم الغربي فكان يعني إخماد الحروب الإقطاعية التي باتت هي النغمة الدالة في الحياة الأوربية آنذاك.
وقد خطت الكنيسة خطوات حاسمة تجاه «الحرب المقدسة» بسبب حركة السلام، إذ لم يكن يكفي إقناع النبلاء الإقطاعيين بعدم شن الحرب، وبات من الضروري إيجاد وسيلة تجبرهم على حفظ السلام. ومن ثم تورطت الكنيسة في تنظيم الحملات العسكرية وتوجيهها لعقاب من يعكرون صفو السلام. هذا النمط من الحروب الكنسية اعتبرته الكنيسة «حروبا مقدسة» تشن في خدمة الكنيسة وتحت رايتها. وقد شاع هذا النمط ليكون بمثابة سلاح سياسي هام بأيدي رجال الكنيسة في القرن الحادي عشر الميلادي. وكانت تلك خطوة هامة نحو بلورة فكرة الحروب الصليبية.
ولم يحدث قبل منتصف القرن الحادي عشر الميلادي أن صارت البابوية قوية بالقدر الذي يجعلها تفكر جديا في تجريد حملة عسكرية ضد الشرق العربي الإسلامي، إذ أن السياسة النشطة التي اتبعتها البابوية في تلك الفترة التي شهدت إصلاح الكنيسة والبابوية كانت تدفع الباباوات نحو موقف جديد من الحرب. ففي سنة 1053م قام البابا ليو التاسع (1048-1054م)، والذي يعتبر من أوائل الباباوات الإصلاحيين، بقيادة جيش في جنوب ايطاليا ضد النورمان. وفي هذه الحملة التي قادها البابا بنفسه منح الألمان الذين أرسلهم الإمبراطور الألماني غفرانا يعفيهم من العقاب على ذنوبهم، كما يعفيهم من التكفير عنها. ومن الجدير بالذكر أن هذه المعركة التي عرفت باسم معركة كيفيتا انتهت بالقضاء على الجيش البابوي، وتم أسر البابا نفسه ليبقى رهين محبسه لدى النورمان حوالي سنة، ثم أطلق سراحه سنة 1054م، وعاد إلى روما ليلقى حتفه في السنة نفسها.
وكان الغفران الذي منحه ليو التاسع في هذه الحملة شبيها بالغفران الذي منحه أربان الثاني للمشاركين في الحملة الصليبية الأولى. ثم حاول نيقولا الثاني (1058- 1061م) أن يحل المشكلة النورمانية بالتحالف مع أمراء النورمان على أن يكون ريتشارد أمير كابوا، وروبرت جويسكارد تابعين إقطاعيين عليهما أداء الخدمات الإقطاعية العسكرية لسيدهما (البابا).
وهكذا صارت الكنيسة الكاثوليكية قوة عسكرية إقطاعية، استخدمت قواتها في الدفاع عن الدويلات البابوية، ثم استخدمت هذه القوة العسكرية فيما بعد في أغراض الحرب المقدسة. وكانت تلك في الواقع بمثابة السوابق أو التجارب العملية التي نضجت من خلالها «الحملة الصليبية».
ومن ناحية أخرى كانت «الحرب المقدسة» مفيدة للنورمان بقدر ما كانت مفيدة للكنيسة، إذ قام روبرت جويسكارد بغزو شمال صقلية (1061-1072م) تحت راية الحرب المقدسة، فقد أعلن أن هذه الحرب ضد المسلمين هي وفاء للقسم الذي قطعه على نفسه أمام البابا نيقولا الثاني في ملغى، وبذلك حصل على مباركة البابوية على هذا المشروع.
والمثال الأكثر وضوحا من الحروب النورمانية يتجسد في الحرب ضد المسلمين في الأندلس، والتي عدها الكثيرون نوعا من الحملات الصليبية، لا سيما غزو بريشتر (1064م) الذي ساهم فيه النورمان من ولاية نورمانديا بنصيب كبير. وقد ارتفعت هذه الحملة الكاثوليكية ضد مسلمي الأندلس إلى مستوى «السابقة الصليبية»، بيد أن غياب الدور البابوي النشط هنا ينفي عنها صفة الحملة الصليبية الكاملة من وجهة النظر الأوربية، إذ أن موافقة البابا الإسكندر الثاني على هذه الحملة وتأييده لها ظل في حدود منح الغفران الجزئي لمن ساهموا فيها. وما حدث في إسبانيا كان بالنسبة لهم «حربا مقدسة» عادية تتسق مع النموذج الذي دعا إليه الباباوات والرهبان الكلونيون، لأن الأديرة الكلونية كانت هي الأكثر نشاطا في مجال تسهيل الحرب ضد المسلمين في الأندلس. ومن الواضح انه كانت هناك رابطة تجمع بين مقاومة المسلمين من ناحية والحملات الصليبية من ناحية أخرى، إذ أن البابوية سمحت فيما بعد للفرسان بالقتال ضد مسلمي الأندلس بدلا من الاشتراك في الحملة الصليبية إلى فلسطين.
وعشية الحروب الصليبية كانت الكنيسة الكاثوليكية قد وصلت إلى موقف جديد تماما من الحرب تبلور في كتابات واحد من أهم أتباع البابا جريجوري السابع، وأكثرهم إخلاصا، وهو «بونيزو سوتري» الذي كان أول من جمع في كتابه «عن الحياة المسيحية» (فيما بين سنة 1090م وسنة 1095م تقريبا) الآراء المتداولة عن واجبات الفارس المسيحي.
ومن ناحية أخرى كانت في أوربا عشية الحملة الصليبية الأولى طبقة من فرسان الإقطاعيات قد تطورت ونضجت عبر أحداث القرون السابقة، وصار لها قانون أخلاقي مشترك عن الحدود السياسية لإقطاعيات الدول. ويبدو أن المناقشة حول أصول الحركة الصليبية قد طالت أكثر مما ينبغي، بيد أن هذه المناقشة بحد ذاتها كشفت عن حقيقة لا يرقى الشك إليها، مؤداها أن الحركة الصليبية لم تكن لترى النور إلا بعد أن مهدت الكنيسة الكاثوليكية الأرض بصياغة أيديولوجية الحرب المقدسة من ناحية، وظهور طبقة الفرسان (التي وجه أربان خطابه إليها في كليرمون) بسماتها الإقطاعية المشتركة، ونظامها القيمي والأخلاقي الواحد، وظروفها الاجتماعية والاقتصادية المتشابهة في سائر أنحاء الغرب الأوربي، من ناحية أخرى.

