كتاب " ملاحظات نحو تعريف الثقافة " ، تأليف ت. س. إليوت ترجمه إلى العربية د.
أنت هنا
قراءة كتاب ملاحظات نحو تعريف الثقافة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
أما ما تجري به العادة الآن، فهو أن كل من يدعو إلى تغيير اجتماعي، أو إلى تبديل في نظامنا السياسي، أو إلى توسيع للتعليم العام، أو إلى تنمية للخدمة الاجتماعية، يزعم واثقا أن ذلك سيؤدي إلى تحسُّنٍ وزيادة في الثقافة. وربما وضعت الثقافة أو المدنيّة في المقدمة، فيقال لنا إن ما نحتاج إليه، ويجب أن نحصل عليه وسنحصل عليه، إنما «مدنيّة جديدة». وقد قرأت ندوة «للصنداي تايمز» سنة 1944 (عدد 31 نوفمبر) يؤكد فيها الأستاذ هارولد لصكي، أو الصحفي الذي كتب العناوين لحديثه، أننا خضنا الحرب الأخيرة من أجل «مدنيّة جديدة». وهذا ـ على الأقل ـ هو ما قرره المستر لصكي بنفسه:
«إذا كان من المتفق عليه أن أولئك الذين يسعون إلى إعادة بناء ما يحب المستر تشرشل أن يسميه «بريطانيا التقليديّة» لا أمل لهم في تحقيق هذه الغاية، فبناء على ذلك يجب أن توجد بريطانيا جديدة في مدنيّة جديدة».
وقد نغمغم «أننا لا نسلِّم بهذا الاتفاق» ولكن ذلك خارج عن موضوعي. فالمستر لصكي على قدر من الصواب، وهذا القدر هو أننا إذا فقدنا شيئًا ما فقدانا نهائيًا لا يمكن تعويضه. فيجب أن نعمل على الاستغناء عنه. ولكنني أحسب أنه عنى أكثر من هذا.
إنَّ المستر لصكي مقتنع، أو كان مقتنعًا، بأن التغيرات السياسية والاجتماعية المعنية التي يرغب في إحداثها، والتي يعتقد أنها نافعة للمجتمع، سوف تنتج مدنية جديدة، نظرًا لكونها تغيرات جذرية عميقة. وهذا أمر جد معقول. ولكنَّ الذي لا يحق لنا أن نستنتجه بالنسبة إلى تغيرات لصكي، أو إلى أي تغيرات أخرى في البناء الاجتماعي ينادي بها أي إنسان، هو أن «المدنيّة الجديدة» نفسها شيء مرغوب فيه. فنحن ـ من جهة ـ لا يسعنا أن نعرف شيئًا عما ستكون عليه هذه المدنية الجديدة، إذ ثمة أسباب كثيرة أخرى تعمل في تكوينها، غير تلك الأسباب التي نعلمها، والنتائج التي تترتب على هذه الأسباب وتلك، حين يعمل بعضها مع بعض، كثيرة أيضًا، بحيث لا يمكننا أن نتخيل كيف يكون شعورنا حين نعيش في تلك المدنيّة الجديدة. ومن جهة أخرى سيكون الناس الذين يعيشون في تلك المدنيّة الجديدة مختلفين عنا بحكم انتمائهم إلى تلك المدنية، وكذلك سيكونون مختلفين عن المستر لصكي. فكل تغيير نحدثه يهيئ لقيام مدنية جديدة نجهل طبيعتها، ونشقى بها كلنا على الأرجح. والواقع هو أن ثمة مدنية جديدة تظهر في الوجود دائمًا أبدًا، ولا شك أنَّ مدنيّة اليوم حَرِيّة أن تبدو جديدة جدًا لأي رجل متمدن في القرن الثامن عشر، ولا أستطيع أن أتخيل أشد دعاة الإصلاح حماسة أو تطرفًا في ذلك العصر قرير العين بمدنية اليوم لو رآها. فكل ما يمكن أن يوجهنا الاهتمام بالمدنيّة إلى أنَّ نعمله هو تحسين المدنية كما نعرفها، لأننا لا نستطيع أن نتخيل مَدَنية أخرى. على أنه قد وجد دائمًا أناسٌ يؤمنون بتغيرات معينة على أنها خير في ذاتها، دون أن يشغلوا أنفسهم بمستقبل المدنية، ودون أن يجدوا من الضروري تزيين ما يبتدعونه بزخرف وعودٍ لا معنى لها.
إنَّ هناك مدنية جديدة تُصنع دائمًا. والأحوال التي نستمتع بها اليوم تبيِّن ما يحدث لآمال كل عصر في أحوال أفضل. على أن أهم سؤال يمكننا أن نسأله هو: هل ثمة مقياس ثابت يمكننا به أن نوازن بين مدنيّة وأخرى، ويمكننا به أن نتلمس شيئًا عن ترقّي مدنيتنا أو انحدارها؟ وعلينا أن نقرَّ حين نوازن بين مدنية وأخرى، وحين نوازن بين الأطوار المختلفة في مدنيتنا، أنه ليس ثمة مجتمع واحد ولا عصر واحد من مجتمع يحقق كل قيم المدنية. فليست كل هذه القيم يمكن أن يتفق بعضها مع بعض، ولا يقل عن ذلك يقينا أننا حين نحقق بعض تلك القيم نفقد تقديرنا لبعضها الآخر. بيد أننا نستطيع أن نميز بين ثقافات عليا وثقافات دنيا، ونستطيع أن نميز بين التقدم والنكسة. ونستطيع أن نقرر بشيء من الاطمئنان أن عهدنا عهد انحدار، وأن مستويات الثقافة أدنى مما كانت عليه منذ خمسين سنة، وأن دلائل هذا الانحدار ظاهرة في كل ناحية من نواحي النشاط الإنساني(5). ولست أرى سببًا يمنع من تبالغ انحلال الثقافة، ولا من توقّع عهد على شيء من الطول يمكن أن يقال عنه إنه بغير ثقافة ما. ثم يكون على الثقافة أن تنبت من الأرض ثانية، وعندما أقول إنها يجب أن تنبت ثانية من الأرض فلست أعني أنها ستظهر إلى الوجود بفضل أي نشاط من قبل مهرِّجين سياسيين. والسؤال الذي تضعه هذه المقالة هو: هل هناك شروط ثابتة إذا تخلَّفت فليس لنا أن نتوقع قيام ثقافة راقية؟
وإذا نجحنا، ولو بعض النجاح، في الإجابة عن هذا السؤال فيجب أن نحترس من وهم محاولة إحداث هذه الشروط من أجل ترقية ثقافتنا. فإن كان ثمة نتائج ثابتة نخرج بها من هذه الدراسة فمن المحقق أنَّ إحدى هذه النتائج هي: أن الثقافة هي الشيء الوحيد الذي لا يمكننا السعي إليه عن عمد. فهي نتاج مناشط شتى على قدر من الانسجام، يُزاوَل كل نشاط منها كغاية في نفسه: يجب أن يعكف الرسام على قماشه، والشاعر على آلته الكاتبة، وموظف الدولة على إيجاد حلٍ عادلٍ لمشكلة مما ترد إلى مكتبه، وكل واحد من هؤلاء يعمل بحسب الموقف الذي يجد نفسه فيه. وحتى لو بدت هذه الشروط التي أتحدث عنها للقارئ مصوِّرة لأهداف اجتماعية طيبة، فيجب ألّا يقفز إلى نتيجة أن هذه الأهداف يمكن تحقيقها بالتنظيم المقصود وحده. فتقسيم المجتمع تقسيمًا طبقيًا هو أمر صناعي وغير محتمل إذا رسمته سلطة مطلقة، واللامركزية تحت توجيه مركزي تناقض، والوحدة الدينية لا يمكن أن تُفرض على أمل أن تُنْشِئ وحدة من الإيمان، والتنوع الديني الذي يُطلب لذاته سخف. والنقطة التي يمكننا أن نصل إليها هي الاعتراف بأن هذه الشروط للثقافة «طبيعية» للكائنات البشرية، وأننا إذا لم نستطع أن نفعل شيئًا لتشجعيها فإننا نستطيع محاربة الأخطاء الفكرية والأهواء النفسية التي تقف في سبيلها، ثم علينا بعد ذلك أن نلتمس رقيَّ المجتمع كما نعمل على رقيّنا أفرادًا، أي بجزئيات صغيرة نسبيًا. فإننا لا نستطيع أن نقول: «سأجعل من نفسي شخصًا آخر»، بل كل ما نستطيع أن نقوله هو: «سأترك هذه العادة السيئة، وأحاول أن أعتاد هذه الحسنة». وكذلك لا يمكننا أن نقول عن المجتمع إلّا «أننا سنحاول ترقيته في هذه الناحية أو تلك، حيث يبدو الإفراط أو التفريط ظاهرين، ويجب في الوقت نفسه أن نوسِّع أفق نظرنا بحيث نتجنب إفساد شيء حين نحاول إصلاح شيء غيره». بل إن هذا القول يعبر عن طموح أكبر مما يمكننا تحقيقه. فإن اختلاف ثقافة عصر ما عن العصر السابق له يرجع بهذا القدر نفسه، أو بأكثر منه، إلى ما نعمله تفاريق دون أن نفهم النتائج وأن نتنبأ بها.


