أنت هنا

قراءة كتاب عباءة حب

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
عباءة حب

عباءة حب

كتاب " عباءة حب " ، تأليف ماري رشو ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 2

2

أذكر اللقاء الأول، لم يكن ذلك الرجل هو أنت الآن، وتلك المرأة لم تكن أنا التي هي الآن.

وكنا في صالة واسعة. نحتفل مع الآخرين بليلة رأس السنة. اكتشفت يومذاك أن الرجل الذي أصبح نجم السهرة يختلف عن الرجل الذي صورته في ذاكرتي. بجسدك النحيل وعينيك السوداوين، ببزتك البيضاء التي اشتهرت بها، قيل يومها إن لهندامك خصوصية لها علاقة بهذا اللون؛ لم تفاجئني ألوانك، كنت أفتش عن سر تفضحه حركتك أو نظرتك، عن أشياء تغيب لتحضر، أفتش عن رجل رسمت صورته في الذاكرة، وشكلت له قامة وألواناً، لم تكن عيناك في الذاكرة سوداوين، بل تخرجان من غابة تغص بالأشجار، لم تكن بزتك بيضاء، ولم تكن سوداء، كانت خليطاً لكل الألوان، ولم تكن ساحراً كما وصفوك، فعمر الأربعين يضفي ذلك السحر.

حين تعانق عقربا الساعة، تعانق الأزواج والأبناء، كنت وحيداً وبلا شريك، وكنت أفتش عن آخر حبيبة لك فهل هي بيننا. هل في مكان قريب؟

ما أعرفه عنك يعرفه غيري، ويعرفه كل مجتمعي، أناس يصطادون الخبر للتندر في ساعات الضجر، تعدّدت أسماء عشيقاتك ونهاياتهن، كما تعدّدت ألقابهن ومواصفاتهن. ولدت لدي تلك الليلة رغبة بصفع كل النساء. كنت قاسية على كل حبيباتك. كن رخيصات، أو هكذا خيّل إليّ.

جاء دور زوجي لاستضافتك بيننا، دعاك مرحباً. بدوت كطفل هادئ وأنت تمد يدك للسلام، ولا أدري كيف أتاني شعور النفور. كان ذلك أول انطباعاتي، فقد هيئ لي أن لك سطوة على العقول والقلوب، ولا أدري كيف استحضرت في ذاكرتي نساء مختلفات الأعمار والألوان وهيئ لي أنهن امرأة واحدة، قد تكون هي أو تلك، وقد تكون أنا، مادام الاختيار لا يقع ضمن شرط أو تمييز.

اكتشفت ذلك المساء أيضاً أن وجودك محبب عند الجميع، استغربت في البداية، غير أن لهفة زوجي بلقائك التي اعتبرتها تواطؤاً، استطعت تفسيرها بعد ذلك بأشهر، واستطعت التبرير للجميع، فأصبحت في نظري بعيداً كل البعد عن الشبهات.

بدت ليلة رأس السنة أكثر جمالاً، رقص الجميع على أنغام الجاز، رقصت كغيري بحرية وفرح، تحولنا إلى أسرة واحدة تحتفل بقدوم عام جديد، عام يجدد أحلامنا، عداك أنت، كنت منزوياً، بيدك كأس من الفودكا، قلت إنها المفضلة لديك، وقلت أيضاً إن بقية المشروبات لا تستهويك، أما انزواؤك فلأنك تهوى الهدوء والصمت. في الحقيقة لم أرتح لسلوكك، أو إنني اعتبرته أسلوباً لغاية ما.

لماذا أعود الآن إلى ذلك اليوم؟ هل لأنني استسلمت أخيراً لسطوتك؟

كيف تسللت إلينا؟ إلى أجوائنا وأسرارنا وخفايانا؟ كيف تغلغلت في أشيائنا؟ إلى كل فرد في أسرتنا.

توطّدت علاقتك بزوجي، أصبح أكثر طمأنينة إليك، أصبح يتصدّى لمن يتّهمك بالمواربة، أو لمن يثير حولك الشكوك، فأنت مغلوب على أمرك، لا ذنب لشخصيتك البراقة باستقطاب النسوة من حولك، هن من يسئن إليك، يشوهن اسمك وحاضرك، آراء زوجي لا جدال فيها، وينتهي كما يبتدئ، فأنت الخروف الذي تطارده الذئاب، وقد يكون لهذه المطاردة سبب كبير في إعاقة زواجك إلى الآن.

هل كانت علاقتكما صحيحة؟ هل كنت تستغل زوجي أو أنه استغل صداقتك؟ كيف صدّقك؟ وكيف صدّقتك أنا؟ وكيف استملت ابني الوحيد، ليعجب بك، ويخصص من وقته لزيارتك؟ كان مكتبك في أهم موقع في المدينة، هنالك تمكثان طويلاً، تتحاوران معاً، تستمع إلى همومه وشكواه، فأنت المحامي المشهور والقدوة الكبرى، وهو الذي تخرج قبل عامين في كلية الحقوق.

أفسّر الآن كل خطوة قمت بها، لم يعنك في بيتنا أول الأمر سوى زوجي، هل تعمدت هذا؟ كانت لقاءاتكما تتم في مكتبك أو في مقهى عام، وحين تهتف إلينا فلأن موعدكما اقترب، وحين توسعت العلاقة وشملت ابني، بدت الأمور على أفضل حال.

أسئلة بدأت في بداية العامين، وراحت تتضاءل مع الأيام، لأكتشف حقيقتك التي غابت عني، وأعتنق شيئاً فشيئاً آراء زوجي، وبات الاستئثار بنا أهم ما قمت به خلال عمرك، كأنك أتيت لتنقل حياتنا من الركود إلى الحيوية والتدفق.

بالنسبة لي لم أفكر بالسعي إليك لأكثر من سبب، فلا شيء يؤهلني لإقامة علاقة ما، كما لا مواصفات عندك تسمح لك بدخول عالمي، في وقت لم يستهوني بك شيء، كنت أنظر إليك وأقيّمك كغريب يعبر حياتنا، لم تنل من آرائي صفة جميلة، عدا نجاحك في العمل، ومؤهلاتك التي تثير حولك احتمالات الترقية.

لكن! هل كنت تسعى إلي؟

أعترف أنني استسلمت، بكل ما أحمل من قيم وأفكار، بكل ما لدي من ثقة واعتداد، بكل قوتي واستطاعتي، بكل ما لدي من إيمان.

وأعترف أننا متناقضان، أنت من عالم وأنا من عالم آخر، قد أكون من الخيال وأنت من الواقع، لكل منا عالمه، ولكل منا قناعاته، وببساطة أقول: أنا قريبة من السماء وأنت قريب من الأرض، وقد أكون أقرب إلى الوهم، في حين أنت أقرب إلى الواقع من الخيال. قد تكون من البشر، لكنني كالقلّة منهم، أنت تعرف ما تريد وتخطط له، تدرس الأمور كي ترد عليك بالمنفعة، في حين أستسلم أنا للمشيئة، وأدخل عالم الإلوهية التي قد تدلني على الطريق.

من منا يجني الثمار؟

من منا يصل لمبتغاه؟

أعرف الجواب تماماً كما تعرفه أنت، أعرف من منا يسير في الطريق الصحيح، لكنني أجبن أمام اتخاذ المواقف، على الأقل في هذه اللحظات.

قلبي يعرف الأسرار، فليس للحب طريق إلي، قلبي غفا ذات يوم على أجمل الأحلام، الحب هو الذي يأتي مرة فيأخذك إلى البعيد، يستأثر بك ويمنعك من خوض التجربة، يصلّي معك في الصبح وفي المساء، يهدهد لك كي لا تسقط، ويمنع عنك الأحزان.

ما الذي شدني إليك؟

هل هي الأرض التي أستكشف معالمها للمرة الأولى؟ هل هي التي تناديني لأهبط إلى أحضانها؟ لأتعلم طقوسها ولغتها، وأحفظ تلافيف جسدها؟

أنت وأنا مدرستان، مدرسة لها علاقة بالروح، وأخرى علاقتها بالجسد، أنت جاهل بأمور النفس، وأنا أجهل ماهية العلاقة مع الجسد.

لماذا أتحدث عن هذا الآن؟

هل استنكاراً أم استسلاماً، أو هو إصرار على دخول التجربة، أو هو لا هذا ولا ذاك، كالزلزال الذي يدمّر في طريقه أجمل الأشياء؟

تساءلت ذلك المساء، من منا سينتصر، ولمن ستكون الغلبة؟

كان أبي يقول: أكبر منك سناً أكثر منك معرفة.

لو كان أبي حياً لهرعت إليه وقلبت مقولته، فعلى الرغم من أنني أكبر منك سناً، أراك أكثر معرفة وأعمق تجربة.

ألا تكفي خمس سنوات لأقول هذا؟ سنوات قليلة في عمر طفل، تكفي ليمشي ويتكلم ويحفظ كل ما يقال. خمس سنوات إخالها دهراً.

الصفحات