أنت هنا

قراءة كتاب عباءة حب

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
عباءة حب

عباءة حب

كتاب " عباءة حب " ، تأليف ماري رشو ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 8

6

لأول مرة أشعر بالغربة عن بيتي، لأول مرة وبعد ربع قرن من الزمن أرى ما لم أره في يوم مضى. لأول مرة أحاول الرجوع إلى يوم قرر زوجي إنشاء مسكننا الجديد.

أعترف أن كل ما في البيت منظم ومرتب وجميل. كان حلمي أن أسكن بعيداً عن الضوضاء، ومن أحلامي أيضاً أن تحيط أرض الدار حديقة ورود، أنام وأصحو على رؤيتها واستنشاق عبيرها.

من أرض الحديقة الغناء نعبر إلى غرف المعيشة والضيوف، ومن زاوية الصالة الواسعة، نصعد عبر درج خشبي إلى غرف النوم.

أَحَبُّ عاداتي هي استيقاظي باكراً واحتساء قهوتي الصباحية بسكون، فأركن تحت شجرة الياسمين أستنشق عبير أزهارها. أصبح للربيع مذاق مختلف، فكما تتفتح وروده تفتحت حواسي، فكل ما حولي جميل وعذب، وأتنقل بفرح من الحلم إلى الدفء والأمان.

لا أدري كيف كان انتباهي الأول، يوم جذبتني تلك الصورة، مشهد ولد للتو، كأنني أراه للمرة الأولى. سنوات وأنا أرعى شجرة الياسمين، وأتابع تطورها وما تتركه الفصول عليها، وأعد أيام عطاءاتها وأنتظرها بفارغ الصبر، غير أنني لم أعقد في يوم ما مقارنة بين ما قبل عبق زهورها وما بعده، ولا أذكر أن أغصانها العارية قد جذبتني لألتقط لها صورة إثر أخرى وأخبئها في الذاكرة إلى أن تعود وريقاتها للتبرعم، وأعلن بسرية تامة أنها أجمل الصور.

هل تزامن ذلك مع انتباهي الأول إليك؟ لا أذكر متى حدث ذلك وكيف. أذكر ما قبل ذلك. كان لتباطؤ الأيام فعل الاستسلام، ولعبور السنوات بساطة العيش، ولم يكن لوداع عام واستقبال آخر سوى العودة والذكرى. لا فرق أن ينقص عام أو يزيد آخر، مادام الاستقرار يطغى على كل شيء ويغلّف كل شيء، ومادام الكون قد أعلن عن ذلك وهو يجلل معالم الطبيعة بالهدوء. هدوء في الأرض، في البشر، وعند بقية الكائنات.

كيف تستيقظ الأحلام وتتبدل الرؤى؟ كيف يمتد البصر عبر خيال جامح إلى كل الأمكنة؟ كيف تنهمر الأفكار في لحظة انطلاق وتستقر أمام حالة تشبه القناعة معلنة عن كل جميل، مجيبة عن كل الأسئلة التي استيقظت ذات صباح، مشيرة إلى حقيقة غفت طويلاً لتنهض بقوة مؤكدة استمراريتها، عبر انتباه أو من دون انتباه، عبر كل الفصول، لتبقى أزلية الصورة، كما هي بلدتي الجميلة التي تركن بهدوء فوق أرض مزهرة وتحت سماء مشعة.

كم كنت سعيدة في الاستغراق بمشاعر الاطمئنان تلك، خاصة حين أخرج من بلدي وأعود ثانية محملة بالعشق لكل شبر فيه، وأستعيد في الذاكرة ببساطة وبراءة مطلقة عن آخر حدث مر به وغيّر معالمه، وأبقاه في استقرار مستديم.

كان حديث الكوارث بالنسبة لي قديم العهد كحديث الخيال أو الأساطير، أمور لا علاقة لها بالواقع، فإن حدث زلزال في ماض بعيد فهذا يعني استقراراً أخيراً لبلدي، بعد أن أعيد تشكيله بصورة أجمل وأفضل، وبأسلوب يليق بنا نحن البشر كي نعبر بسلام ومن دون ضجيج.

هل كنت أحب السفر لأجرب مدى حبي لبلدي؟ وهل كنت أرحل بعيداً لأكتشف في كل عودة مقدار تعلقي به؟ وهل كلما بعدت المسافات عدت بخفي حنين لأرتمي تحت أقدامه معلنة أنه عشقي الأول والأخير؟

تكررت رحلات السفر في حياتي، كان اسمي على قائمة أكثر الرحلات التي تقام في مدينتي الجميلة. مررت ببلدان كثيرة، وأقمت لأيام وأسابيع في بلدان كثيرة أيضاً. كان يكفيني أن أعدد الأمكنة التي حفظت جغرافية كل منها. لم يكن يستهويني من تلك الرحلات سوى أنني أقوم بعمل ما. أمارس حريتي التي منحها لي زوجي لقاء حريته التي أرادها بسرية، ولم يكن من عائق أمام تجديد السفر، فأنا أتمم مسؤولياتي على أكمل وجه، زوجي المنشغل بأعماله، ابني بدراسته، وكان يكفيني لغياب قصير، تأمين بعض المستلزمات والضروريات لكليهما، تحت إشراف العاملة التي حفظت كل شاردة وواردة في البيت.

الصفحات