كتاب " عباءة حب " ، تأليف ماري رشو ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب عباءة حب
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

عباءة حب
3
لماذا أتذكر نعمة؟ هل لأنها الماضي والحاضر؟
نعمة في الذاكرة الأخت والصديقة، والبحر الذي أرمي فيه أحزاني وأخبئ أحلامي. هي المرآة التي تعكس صورتي من دون خوف أو ريبة.
كل شيء عندها له طعم الذكرى. هدوؤها. صمتها، ومسحة الحزن في عينيها. لذكرياتنا طعم الطمأنينة. لأحلامنا لمسات تدغدغ الروح. يفرض الحب وجوده علينا كلما غرد طير وشدا صوت. يحملنا إلى عالم من جمال. إلى عالم من رضا. إلى الانطلاق. إلى الانعتاق. إلى الشوق لوجه حبيب يعبر قربنا أو يلقي نظرة. إلى وجه يغدق علينا كنوز شوق. إلى فرح نحمله بين جوانحنا كمؤونة لتلك الجلسات المتقطعة بين حصص الدراسة، ننثرها كثروة تنعش النفس والروح.
كانت أكثرنا تميزاً في ثانوية البنات. لها بصيرة نحسدها عليها نحن الزميلات. فنلجأ إليها طلباً للمساعدة، فتروي قصصاً مذهلة؛ أحداثاً أقرب إلى الخيال والأساطير. نصدق أو نستغرب، فتبدو رقيقة وحزينة في آن. غير أن نظرة التحدي لم تفارق عينيها، ولم نكن ندرك تفسيرها، فنستمع إلى آرائها كأحجية لا تفسير لها، خاصة حين تنهمر الكلمات مصحوبة بغصة متجددة، تكون في مقارنة بين الأمس في ذاكرة أمها والحاضر في واقعه الحالي. فتتقاطع أفكارها. جدّها. جدّتها. أقاربها. تتهيّب من الذكرى. من القادم. من شر يغتال في كل لحظة طفلاً. من وهم أقرب إلى الكذب والنفاق. من خداع يتجّدد باستمرار. من حق مرتهن بأيد غاشمة.
برعت نعمة منذ أيام الإعدادية بكل ما يتعلق بالكتابة. أذكر انتباه مدرّسة اللغة العربية لها. خاصة وهي تشيد في كل مناسبة بأسلوبها ومواضيعها، وتشير إلى موهبة تفرض نفسها في كل المواد.
لم تتابع نعمة دراستها، واكتفت بنيلها الثانوية العامة. إذ كان عليها مساندة والدها الذي هدّه الحزن والمرض.
تلك الفترة تزوجت هي من ميّار، وتزوجت أنا من سامح.
لماذا أحدثك عن نعمة؟ هل لأنها رفيقة العمر؟ هل لأن صداقتنا استمرت، وبخاصة مع أفراد أسرتي. أذكر مفاجأة ابني يوم اكتشف أنها ليست أختاً لي. بقي في ذهول وهو يستعيد ذكرياته معها. اهتمامها به. هداياها. قضاء عطلة الأسبوع بصحبتها. اصطحابها له إلى دور السينما وإلى الحديقة القريبة.
حدّثته يومذاك عن طفولتها، وعن نزوح أهلها إلى سوريا، والإقامة في مخيمات خصصت لمهجري فلسطين، وعن تاريخ ولادتها ونشأتها، وكيف ضمتنا المدرسة لنتعارف ونتصادق ونستمر إلى ما بعد الزواج.
اختلفنا أنا وهي في أسلوب الحياة. فاهتماماتها تنحصر بوطن أهلها وأجدادها، وهي التي لم تولد فيه، لكنه يعني العودة والاستمرار.
لم تلبِّ نعمة في يوم دعوتي لاحتفال أو سهرة، ولم تستهوها المشاركة فيما له علاقة بعيد أو ذكرى ميلاد، فأعيادها مؤجلة إلى يوم تنتظره بفارغ الصبر، إلى يوم تتحقق فيه أحلامها وأحلام الكثيرين ممن حولها. وأكثر ما سعت إليه هو الحفاظ على ذكرى ميّار. زوجها الذي مات شهيداً قبل أن يصبح أباً. نصحتها كثيراً بترتيب حياتها من جديد. أن تتزوج وتنجب، أو ترسم لنفسها ما يليق بامرأة جميلة أن تحيا بسلام، فتبتسم بحزن، فهي خارج الحياة إلى أن تعود الحياة إليها، فلا يليق بزوجة شهيد أن تعيش خارج قدسية الشهادة.
لم يعد ميّار في آخر رحيل له، وهو الذي لم ينس وطنه، ولم ينس انتظاره لتلبية النداء. أذكر تلك الأيام بأدق تفاصيلها. كم بدت نعمة رائعة بدموعها وصمتها واستغرابها؟ بأحاديثها عن رجلها الذي قدم حياته لبلده؟ ويوم عاد بكفن الوطن مرّغت وجهها بأذياله.
جميلة نعمة، بوجهها الصبوح. بشعرها المعقوص وجديلتها الطويلة، التي تبرز فسحة من جبينها وتضفي على بشرتها السمراء مزيداً من النقاء.