كتاب " فلسفة العقل - التكامل العلمي والميتافيزيقي " ، تأليق د. صلاح فليفل الجابري ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب فلسفة العقل - التكامل العلمي والميتافيزيقي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

فلسفة العقل - التكامل العلمي والميتافيزيقي
الفصل الأول
لاانفصالية الوعي والعالم
تمهيد
إن تأمل الحلول ووجهات النظر المقدمة حول هذه المشكلة يبعث فينا شعورين: الأول، إن الهدف من كل ذلك الجهد العلمي هو فهم طبيعة الإنسان، والثاني، هو الشعور بأن السؤال الفلسفي حول طبيعة الإنسان هو سؤال متواتر عبر العصور، وفي كل عصر تصطبغ الإجابة عليه بمؤثرات ذلك العصر من علم وثقافة وأسس تربوية واجتماعية معينة، ولذلك فهو لايزال سؤالاً حياً إلى جانب الأسئلة الفلسفية الكبرى حول الكون والخلق، وهذا هو سر ديمومة الحياة الفكرية للعقل البشري. والسؤال عن طبيعة الإنسان يُطرح بأشكال مختلفة منها: هل الإنسان هو هذا الكيان المادي والجهاز العصبي والمخ أم أن هناك شيئاً آخر يُعَدُّ المقوّم الأساسي والماهية الثابتة وراء التحولات والانحلالات الشكلية التي يتعرض لها في الحياة؟.
في الحقيقة إنّ القول بإيجاب أحد طرفي السؤال يترتب عليه نتائج عديدة من الناحيتين العلمية والأخلاقية، فالقول بالطرف الأول من السؤال يفرض منهجية سلوكية ظاهرية تعتمد على الأثر ورد الفعل أو الاستجابة، وبالتالي تصبح شخصية الإنسان مجرد نتيجة بلورها هذا التفاعل والاستجابة لمؤثرات المحيط الثقافية والتربوية والفيزيقية بشكل آلي، أو هي مجرد آلة تعمل طالما كانت قادرة على العمل وسوف تتوقف عند الموت الذي يشبه العطل الآلي والذي يتحلل فيه هذا الجهاز المادي إلى عناصره ولا تخرج منه إلا طاقته الفيزيائية. وعكس ذلك القول بالطرف الثاني من السؤال، إذ يفترض منهجية مختلفة ومعايير أخلاقية اكثر اختلافاً. فيصبح المقوّم الأساسي للشخصية الإنسانية ليس أمراً مادياً وإنما مقوم عقلي يمتلك خصائص مخالفة تماماً لخصائص المادة، ولذلك فإن تشبيهه بالآلة ليس سليماً من الناحيتين العلمية والفلسفية؛ لأن نشاطه العملي لا يخضع للتناقص بتقدم الزمن وزيادة استهلاك المادة ونقص طاقتها، بل على العكس من ذلك فإن فعاليته تزداد طردياً بتقدم الزمن، وأنّ استهلاك المادة وشيخوختها لا يؤثر طردياً في الوعي. لكن هذه الرؤية الثنائية أُسيء استخدامها فأدت إلى فصل كامل بين النفس والعالم، مما أعاق تطور الرؤية العلمية للكون كما سوف نرى بعد قليل. ولذلك فإن المنهج المفترض يجب أن يكون مرناً للتعامل مع هذه الثنائية:
الإنسان بوصفه نتيجة استجابات متكررة لمؤثرات بيئية متنوعة من جهة، وبوصفه القابل لهذه المؤثرات، والحامل لمغزى التفاعل من جهة أخرى، فهو ليس جهازاً عصبياً أو دماغاً فقط، وإنما هو إضافة إلى ذلك عقل أو وعي يرتبط بالجسد وبالعالم في وحدة عضوية. ولذلك فإن استجابة الإنسان لمؤثر بيئي، والتأثير المقابل للإنسان في البيئة (وهو رد الفعل العكسي) يجب أن يفهم على أساس تكاملي (وحدوي) للجانبين العقلي والمادي. وهذا المستوى من التفاعل العقلي يعكس مستوى متطوراً جداً للحياة.
سوف نتدرج في فهم طبيعة العلاقة بين النفس والعالم ومدى إسهام البناء النفسي في البناء المادي للعالم من الرؤية المبسطة للعلم إلى أعمق المستويات العلمية محاولين بناء رؤية علمية عن طريق مناقشة التراكم المعرفي الذي قدمه العلم الحديث. ونحاول أن لا نتناول المسائل وكأنها منعزل بعضها عن بعضها الآخر، بل نتناولها كنسيج متصل، وليس هذا في المجال النفسي وحده، وإنما نحاول ربط متغيرات البناء النفسي بالبناء الفيزيائي الخارجي بتنوعه، آملين الكشف عن صورة كونية واقعية نستطيع من خلالها أن نفسر المظاهر النفسية المتقدمة في مجال ساي. ولا يحدث ذلك إلا إذا نظرنا إلى مجال ساي بوصفه جزءاً من المجال الكوني، وتبلوراً لتفاعل دقيق بين البناء النفسي والبناء الفيزيائي؛ بتعبير آخر، إنه وسط بين النفس والعالم المادي يمتلك خصائص من كليهما. والصورة النهائية للعالم هي صورة مترابطة على مستوى دقيق جداً، وقد تسهم علوم مختلفة في إيضاح هذه الصورة وفي مقدمة هذه العلوم علم الساي النفسي، والساي الفيزيائي (الفيزياء الكمية).
الهدف الرئيس لدراستنا هو الكشف عن طبيعة الصورة الكونية التي يمكن أن يرسمها الفهم العلمي ومدى إسهام البعد النفسي للإنسان فيها؛ بتعبير آخر، إن النفس يمكن أن توجِّه البحث العلمي نحو رسم صورة للكون منسجمة مع قابلياتها وتفاعلاتها مع العالم. ومن الطبيعي أنّ النفس الإنسانية لا يمكن فهمها بمعزل عن ترابطها الوشيج مع العالم. ومن هنا فإنّ قابلياتهـا وتفاعلاتها تفصح لا عـن طبيعتها فحسب، بـل عن طبيعة العالم أيضاً. إذن، مـا هي هـذه الصورة التي يمكـن رسمها انطلاقاً من إسهـام النفس الإنسانيـة في تشكيل تلـك الصورة؟.
اعتادت البحوث العلمية والفلسفية التقليدية أن تتناول النفس إما بشكل مستقل عن العالم، أو بارتباطها بجسدها الخاص فقط. وهذه المنهجية في الحقيقية لا تعطينا صورة شاملة عن العلاقة الجوهرية بين النفس والعالم والتي لا يمكن إحداث أي انفصام فيها من دون أن يؤدي ذلك إلى انفصام عرى الحقيقة ذاتها. وقد ساهمت الأبعاد الجديدة المكتشفة على المستوى الفيزيائي والنفسي في طرح رؤية جديدة يمكن أن نجمع أجزاءها في وحدة عضوية تمثل الصورة الأكثر انسجاماً مع واقع يظهر للعقل الإنساني بشكل متدرج، وكلما زاد ظهوراً كلما اندفع العقل إلى إضافة لبنة جديدة إلى بنائه، وربما دعا ذلك إلى إعادة ترتيب وحدات البناء من جديد واستبدال بعض أجزائه. وأعتقد أن الصورة الجديدة للواقع الفيزيائي والنفسي تستدعي التجديد وإعادة البناء معاً. إذن، لا يمكن وضع تصور للعالم يغفل الدور الفعال الذي يلعبه التكوين النفسي في علاقته بالعالم الخارجي.

