كتاب " فلسفة العقل - التكامل العلمي والميتافيزيقي " ، تأليق د. صلاح فليفل الجابري ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب فلسفة العقل - التكامل العلمي والميتافيزيقي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

فلسفة العقل - التكامل العلمي والميتافيزيقي
اللااتصالية
استنادا إلى ماكس بلانك فإن للمادة بنيان خفي، غير متصل. ومن الصعوبة لنا أن نتخيل هذه اللا اتصالية الحقيقية، أي، أن بين نقطتين لا يوجد شيء، لا أجسام، ولا ذرات، ولا جزيئات، ولا قسيمات، لا شيء وحسب. لكن هذه الصعوبة لا تعاني منها الرياضيات لأنها تتأسس على نمط آخر من الخيال.
حاولت صورية الميكانيكا الكوانتية وصورية الفيزياء الكوانتية أن تحافظ على السببية الموضعية السائدة على مستوى الماكروفيزياء لكن نمطاً جديداً من السببية بدأ يظهر على السلّم الكوانتي. إن للكمية الفيزيائية بحسب الميكانيكا الكوانتية، عدة قيم ممكنة، تتأثر باحتمالات معّينة تماماً. لكن عند إجراء قياس اختباري يتم الحصول، بالطبع، على نتيجة واحدة من أجل الكمية الفيزيائية المعينة. لقد كان هذا الإلغاء المفاجئ لتعددية القيم الممكنة لـ «مرصودة» فيزيائية، بفعل الرصد نفسه، مبهم الطبيعة لكنه يشير إشارة واضحة إلى وجود نمط جديد من السببية(34).
بعد ولادة الميكانيكا الكوانتية بسبعة عقود، تم توضيح طبيعة هذا النمط الجديد من السببية بفضل نظرية جون بِلْ. اقترح بِلْ مجموعة من البراهين الرياضية، اشتهرت باسم تفاوتات بِلْ، توضح أن جسيمين كانا مرّة في حالة توحد يحتفظان بارتباط فيما بينهما على الرغم من اختلاف موقعيهما لاحقاً. تدل تفاوتات بِلْ على مكنون كلي يطلق عليه اسم اللاموضعية، ومفاده أن لا حاجة للجسيمين لأن يشتركا في الموضع نفسه من المكان لكي يكونا مرتبطين فيما بينهما ارتباطاً صحيحاً(35). وهذا في الوقت نفسه إيذان بدخول تصور جديد في الفيزياء أسمه اللاانفصالية وهو مكافئ للاموضعية. ففي عالمنا المعتاد، الماكروفيزيائي، إذا تفاعل جسمان في لحظة معطاة ثم تباعدا، فإنهما يقل تفاعلهما، بالطبع، أقل فأقل، كلما ازداد تباعدهما. أما في العالم الكوانتي فتحدث الأشياء على غير ذلك، إذ تواصل الكيانات الكوانتية تفاعلها مهما كان مقدار تباعدها. ويبدو هذا مناقضاً لقوانيننا الماكروفيزيائية، إذ إن التفاعل يفترض دائماً وجود صلة، علاقة، ولهذه العلاقة، بحسب نظرية النسبية لـ أينشتين، سرعة حدّية، هي سرعة الضوء. فإذا أصررنا على أن نفهم الأحداث وفقاً للسببية الموضعية، فستبدو التفاعلات الكوانتية تخرق سرعة الضوء وتطيح بالنظرية النسبية. لكننا إذا وسعنا الفهم وقبلنا بوجود نمط جديد من السببية هو السببية الشاملة تخص منظومة كل الكيانات الفيزيائية في جملتها فإن تلك التفاعلات الكوانتية لا تخرق السرعة الحدية التي فرضتها النظرية النسبية. وحينئذ نقبل بوجود مستوى آخر للواقع لا تعمل فيه السببية الموضعية. السببية الشاملة هي مفهوم بنيوي، والبنية شيء أكثر من مجموع أجزائه ويعمل هذا المبدأ حتى على صعيد الحياة اليومية، فإن الجماعة - (أسرة، شركة، أمة) - هي دوماً أكثر من مجرد مجموع أجزائها، إذ إن عامل تفاعل خفيّ، غير قابل للاختزال إلى خصائص مختلف الأفراد، حاضر دوماً في الجماعات البشرية لكننا نلقي به دوماً في جحيم الذاتوية. فلا بد من الاعتراف بأننا بعيدون، وبعيدون جداً عن اللا انفصالية البشرية على أرضنا الصغيرة(36).
إذن، اللا انفصالية لا تلغي أو تشكك في السببية كمبدأ بل تشكك في عملية اختزالها إلى مجرد سببية موضعية فقط. ولا تشكك في الموضوعية العلمية، وإنما بالموضوعية التي تتأسس على الاعتقاد بغياب كل ارتباط غير موضعي. إن وجود ترابطات غير موضعية يوسع حقل الواقع. إن اللا انفصالية الكوانتية تقول لنا: إن في هذا العالم، على سلّم معين على الأقل، اتساقاً، ووحدة، وقوانين تكفل تطور جملة المنظومات الطبيعية.

