كتاب " فلسفة العقل - التكامل العلمي والميتافيزيقي " ، تأليق د. صلاح فليفل الجابري ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب فلسفة العقل - التكامل العلمي والميتافيزيقي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

فلسفة العقل - التكامل العلمي والميتافيزيقي
قصور الرؤية الانفصالية في العلم
إن صورة العالم التي يُحيَّد فيها الملاحظ، بله الجانب النفسي، هي صورة غير متكاملة، ولا تنسجم إلا مع المظهر السطحي والأولي للعالم. ذلك المظهر البسيط الذي ينسجم مع ملاحظات الإنسان البسيط. إنها صورة غير متكاملة، لكنها واقعية؛ لأنها جزء من الواقع وليست كل الواقع، وإذا أريد تعميمها حينئذ فقط تكون خاطئة وغير واقعية. تتعامل هذه الصورة المبسطة مع الواقع من خلال نظام النقص والتعويض. ويتخذ التعويض هنا شكله الكيميائي فقط.
ومعنى ذلك إن الخلل الحاصل في أي نظام فيزيائي أو كيميائي يعالج بأسلوب التعويض الذي يعيد التوازن إلى النظام. فسواء كان هذا النظام هو الجسم البشري أو البيئة الخارجية التي هو جزء منها فإن الأسلوب العلاجي والمنظور العلمي ينبثقان من أساس واحد هو تحييد أثر البعد النفسي في ذلك الخلل. وقد ساعدت بعض الفلسفات الغربية المستمدة من الأفلاطونية على تعزيز هذه الرؤية، ولاسيما الثنائية الديكارتية، فالنفس وفقاً لها من طبيعة وجودية مختلفة تماماً عن الطبيعة الوجودية للجسم، ولذلك فمهما كانت طبيعة التفاعل الذي يتصوره الديكارتيون، فهو لا يبلغ الدرجة التي ينظر فيها إلى النفس بوصفها عاملاً جوهرياً في بناء العالم المادي، وإن هذا الأخير موضوع جوهري تتجسد من خلاله النفس الإنسانية.
هذه الفلسفات هي التي قادت علماء الغرب إلى وضع آلية علاجية تعويضية للجسم تتجاهل بعده النفسي. وعلينا أن لا ننسى أنّ فلسفة الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا - وهي جزء من الديكارتية - ذهبت إلى إنكار أي تفاعل بين الفكر والمادة، والعقل والجسم، وأنّ الظواهر النفسية يجب تفسيرها بأسباب نفسية فقط، كما أنّ الظواهر الجسدية يجب تفسيرها بأسباب جسدية فقط، ولا يمكن تفسير أحد الجانبين بالآخر، استناداً إلى ما يعرف بنظرية التوازي.
وانطلاقاً من ذلك نظر العلماء إلى الجسم البشري بوصفه بنية منعزلة عن كيانه النفسي، وإلى العالم العضوي عموماً بوصفه مستقلاً عن أية أبعاد نفسية أو طاقوية خارجية، وإن ذلك العالم الحي كما هو ممثل في فروع الطب والبيولوجيا وعلم النبات يعمل من خلال نظام تعويضي تتفاعل فيه أطراف مادية فقط كما هي ممثلة في المعادلة الآتية:
استنادا إلى هذه المعادلة، فإن المتغيرات الكامنة وراء أي اضطراب وظيفي هي متغيرات كيميائية دوماً. وتجري عملية إصلاح هذه الخلل عن طريق تعديل الخلل الكيميائي بتركيبات كيميائية متطورة أكثر فأكثر، تستخدم لإطلاق القوة الدفاعية للجسم وتجدد آلياته. لكن هذا العلاج يصطدم بعقبات معقدة أهمها: إن كلاً من الجسم والأجسام الغريبة المهددة لكيانه (الجراثيم مثلاً) تتهيأ لتركيب كيميائي جديد، وقد تتكيف مع المضاد الحيوي الجديد، وهكذا تبقى ساحة الصراع مفتوحة بين الغزاة المهددين وبين التعويض الكيميائي من خلال الجسم والضحية في النهاية هو الجسم. إذن، للعلاج الكيميائي أضرار جانبية في كثير من الأحيان، قد تؤدي إلى إحداث خلل في التوازن الكيميائي في مناطق أخرى من الجسم. ولا يمكن تلافي التأثير السلبي للتركيب الكيميائي التعويضي، لأن المحتوى الكيميائي غير الطبيعي للكائن العضوي يتزايد ويبدأ بالتأثير في مستويات أخرى من وظيفة الكائن العضوي مقارنة بالجانب المصحَّح.
وهذا التأثير السلبي يكون أكثر خطورة في الميدان الزراعي الذي يكون أسلوب استخدام الكيماويات فيه عن طريق التربة من أجل تطوير التوازن الكيمياوي بين النباتات والتربة، عن طريق إدخال الماء من خلال نظام رش الكيماويات فوق مساحة واسعة، والنظام السابق كله يعاني من تلوث كيميائي. ومن الواضح أن على النوع البشري أن يجد طريقة أفضل للفهم والتعامل مع عيوب الوظيفة في الكائنات العضوية؛ لأن التعويض الكيميائي له أضرار كبيرة على المدى المنظور. وطالما أن الإنسان مستمر في النظر إلى الكائنات العضوية من خلال المعادلة (1) فهو يبقى مخدوعاً بأساليبه الحالية.(26)
ويدخل ضمن ذلك استخدام العقاقير الكيميائية لعلاج الأمراض النفسية، فهي تعيد التوازن النفسي أو الشعوري الذي يحدث بسبب الحالة النفسية. إن مفهوم الحالة الشاذة يرتبط بالسلوك من جهة النتيجة وبالحالة النفسية ذاتها من جهة السبب. فالحالة الشاذة هي حالة سلوكية مرئية ولذلك يمكن قياسها وتقويمها، في حين أنّ الحالة النفسية في ذاتها أمر عصي على الملاحظة ولذلك يصعب قياسها وتقويمها. ولما كان للحالة النفسية تأثير مباشر على الإفرازات الهرمونية المختلفة للجسم الأمر الذي قد يسبب اختلالها في حالات نفسية غير طبيعية، لذلك يمكن إعادة التوازن المفقود عن طريق التعويض الكيميائي الذي يثير حالة عصبية ونفسية مريحة لكنها مؤقتة. لكن هذا العلاج موجه للأعراض وليس للأسباب الحقيقية، وهو في جانب منه مضر بالصحة العامة وقد يسبب مضاعفات خطيرة في جوانب أخرى من الجسم.
في بحث الإجراءات البديلة للتأثير في الكائنات العضوية الحية على المرء أن يتساءل عن مشروعية وتكامل المعادلة (1). هل هناك تقنيات فيزيائية فعّالة متميزة عن التقنيات الكيمياوية لتعديل الوظيفة العضوية؟ وهل هناك تقنيات كامنة للعمل بطريقة مشابهة في الحقل الذي يدعى الطاقات اللافيزيائية (nonphysical energies)؟ دعنا ننظر إلى عدد الملاحظات التي توحي بعدم الملائمة كلياً للمعادلة(1).

