أنت هنا

قراءة كتاب الحرب النفسية - قراءات في إستراتيجيات حزب الله

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الحرب النفسية - قراءات في إستراتيجيات حزب الله

الحرب النفسية - قراءات في إستراتيجيات حزب الله

كتاب " الحرب النفسية - قراءات في إستراتيجيات حزب الله " ، تأليف د. يوسف نصر الله ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
4.5
Average: 4.5 (2 votes)
الصفحة رقم: 10

أساليب الدعاية السياسية

تجهد الدعاية السياسية لتحقيق مآربها ومقاصدها وغاياتها، وتتوسّل في سبيل ذلك أساليب متعدّدة ومتنوّعة ومختلفة، وفق ما تقتضيه خصوصية الزمان والبيئة والموضوع والمتلقي والهدف المنشود. سنقف على أبرز هذه الأساليب:

أ- أسلوب النكتة: تستحوذ النكتة السياسية- لاسيما عند الشعوب التي تستهوي بطبيعتها الفكاهة، وتميل إلى الطرافة واستظراف الكلام- على قدر كبير من الحظوة والأهمية والقيمة والتقدير، نظراً لما تستحوذ عليه من فيض في القابلية على الانتقال والانتشار والتمدّد وجذب الأسماع والأذهان، ولما لها من قدرة فائقة على إحداث تأثيرات جوهرية وجذرية في الرأي والمزاج العام، كما تسييل مفاعيل قد تكون في أحايين كثيرة أكبر وأعمق وأدهى من تأثير المقالات الصحفية، والأحاديث الإذاعية، والصور الذهنية والكاريكاتورية. ما جعلها موضع عناية واهتمام الخصوم والحلفاء على حدّ سواء.

وقد قطعت النكتة أشواطاً بعيدة في ترسيخ وترسيب وتعزيز مكانتها، حتى غدت معيار تفاضل الشعوب والأمم إذا ما صير إلى الموازنة بينها باعتبار الذكاء؛ حيث تشير الدراسات والأبحاث المختصّة إلى أن الشعوب الأكثر إبداعاً وتداولاً للنكتة السياسية، هي الشعوب التي تتوفر على مستوى ذكاء أعلى، من مثيلاتها التي تشهد النكتة السياسية عندها انحساراً وانكماشاً وضموراً.

والحال، أخذت الدعاية بأسلوب النكتة(50)، وتوسّلت به، وعملت على تفعيله، وتثميره، لتحقيق أهدافها وأغراضها وغاياتها ومقاصدها.

بالمقدور أن نعرض على نحو من التمثيل والاستدلال هنا، للكيفية التي صير فيها إلى تناول موقعة بيرل هاربور(51) بأسلوب دعائي ساخر يتوسّل النكتة سبيلاً، ما كان له بالغ الأثر في تقويض الروح المعنوية للشعب الأميركي. فقد أفصحت النكتة التي تناقلتها الألسن والشفاه، وصير إلى تعميمها وإذاعتها حتى بلغت كلّ مسمع، واستقرت في كلّ منزل ودار؛ عن أنّ أحد الطيارين اليابانيين الذين شاركوا في الإغارة على الأسطول الأميركي في قاعدة بيرل هاربور، قد عثر في جيبه على رغيف خبز طازج لُفّ في أوراق أحد المخابز الواقعة في جزيرة هونولولو التي تضم القاعدة البحرية الأميركية، في دلالة معبّرة على ارتفاع الروح القتالية عند المحاربين اليابانين، واستخفافهم بالقوّة الأميركية، في قبالة قصور الأخيرة وتقاعسها، وغفلتها عما يدور حولها.

ب- أسلوب التكرار: توسلت الدعاية السياسية بأسلوب التكرار(52)، بوصفه تقنية فاعلة من تقنيات تثبيت المعلومات والأخبار المراد بثها ونشرها وإشاعتها بين الجماهير، وترسيخها وترسيبها في أذهان الناس، ومنحها قدراً من الصدقية الموهومة الزائفة، ومن القبول والرضى، «فالشيء يتوصل عن طريق التكرار» يقول غوستاف لوبون «إلى الرسوخ في النفوس إلى درجة أنه يقبل كحقيقة برهانية (...) فعندما نكرّر الشيء مراراً وتكراراً، ينتهي به الأمر إلى الانغراس في تلك الزوايا العميقة للاوعي، حيث تصنع دوافع كل أعمالنا. فبعد أن تمرّ فترة من الزمن ننسى من هو مؤلف القول المكرّر، وينتهي بنا الأمر إلى حدّ الإيمان به»(53).

وكان أدولف هتلر قد أشار إلى فعالية وإلحاح هذه التقنية في العمل الدعائي، حيث يقول: «إنّ الجماهير يلزمها وقت طويل حتى تفهم وتتذكر، ما يعني وجوب استخدام هذا الأسلوب لتكثيف الجوانب الإيجابية للتذكير»(54).

لكنّ استعمال التكرار على نحو ممجوج دونه مخاطر ومحاذير، إذ قد يتأدّى إلى إصابة المتلقي بالملل، وإلى إشعاره بالنفور والتقزّز، واستطراداً إلى رفض الرسالة، وإلى الإحجام والامتناع عن قبولها. ولذا يُنصح أن يقدّم التكرار على أطباق متعدّدة ومتفارقة؛ كأن تُصاحب ترجماته بالتنوّع، وأن يُعبّر عنه بطرائق مختلفة، وأن ينطوي على عناصر التشويق والإثارة والدهشة، كما على أدوات الجذب والإلفات والانتباه «يميل الناس إلى سماع الدعاية التي يعجبهم مضمونها وأهدافها» يقول شيلفورد بيدويل «وضمن هذه التحديدات لا شكّ أن المواقف يمكن تغييرها عن طريق تحويل التأكيد وخلق القالب الجديد، وعن طريق التكرار المستمرّ للمضمون نفسه ولكن بأشكال مختلفة»(55).

ج- أسلوب إطلاق الشعارات(56): غالباً ما تعكف الدعاية السياسية على إطلاق الشعارات التي يصار عادة إلى انتقائها، وتخيّر مرموزاتها وحمولاتها، وإحكام صياغتها بعناية بالغة، بحيث يصبح الشعار عنوان مرحلة، يُعمل فيها ـ بنحو وثوقي ـ على الربط الشعوري بينه وبين الأهداف المعلن عنها، وبكيفية يغدو معها مجرد سماع تلفظات وتمتمات الشعار، محرضاً تلقائياً على استحضار تلك الأهداف، ومثولها أمام المتلقي.

الصفحات