أنت هنا

قراءة كتاب محمد الصدر - كفاح الجماهير

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
محمد الصدر - كفاح الجماهير

محمد الصدر - كفاح الجماهير

كتاب " محمد الصدر - كفاح الجماهير " ، تأليف عبد اللطيف الحرز ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2009 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
الصفحة رقم: 8

ولقد كلفني الدفاع عن الصدر الثاني وعن مشروعه وتدريس بعض كتبه للطلاب، الكثير الكثير على الصعيد المادي، وعلى صعيد الخسائر المعنوية الباهظة، خصوصاً أنني كنت أول مَن قام بفتح كتب الصدر الثاني للتدريس والكتابة والمحاضرات.

كل ذلك كان باستخدام الاسم الصريح والتشخيص الكتابي الواضح، إصراراً مني على الابتعاد عن سلوكية الشخصيات المقنعة التي تلعب على أكثر من حبل حيث ترضي الجميع وتستفيد من كل تقلبات الأحوال، وبعيداً عن الأسماء المستعارة غير الدالة على أحد، حيث إنها لا تلائم سوى الجبان ومن في نفسه مرض. هكذا دخلتُ القرن الجديد وأنا مثخن بجراح كثيرة نتيجة هذا الانتماء، ولم أتخيل أبداً أنني سأجد نفسي يوماً متهماً من قبل هذا التيار، فضلاً عن أنني أصبحت أحد الأشخاص المطلوب أن يهدر دمهم بتهمة كوني واحداً من المخالفين للتيار الصدري، والمتسببين له ببعض المشاكل!!

لقد كان نشر اسمي على صفحات بعض الصحف التابعة للميليشيات المسلحة الحاملة لاسم الصدر والتيار الصدري عام 2005 حدثاً فاجعاً بالنسبة لي، حيث شمت بي الأعداء وخيّب ظنّ الأصدقاء، ولم ينفع في تطبيب الجرح اعتذار أطراف عديدة من داخل التيار الصدري نفسه. فإذا كانت هذه المفارقة الشخصية قليلة الدلالة فإن نتائجها الكبرى سوف تتجلّى بما سيحدث من انقسامات وصدامات داخل التيار الصدري، وكذلك من تصفيات وقّعت باسمه، سواء من قبل الجماعات التي استلمت مواقع في السلطة السياسية والحكومة الرسمية، أو من قبل الأطراف والجماعات الأخرى التي بقيت خارجها. وهنا تمّ تعميق الخلط بين الدعوة والادعاء ، فبات التيار الصدري لافتة بلا مضمون يتخاطفها الطامعون في نيل السلطة، أو اللصوص اللاهثون وراء بريق المال، أو قناعاً يخفي الكثير من كاريزما الجنون والعصبيات، بالإضافة إلى تحويل التيار الصدري إلى طاقية للتخفِّي والتستّر من قبل البعثيين والمجرمين ومرضى النفوس ونقصاء العقل ومهوشي الدين. ونظراً لأننا أصبحنا في زمن الإلهام النبوي فقد أضحى كل واحدٍ يدّعي أنه زعيم أو أنه مجتهد أو آية اللَّه ومرجع وفقيه وما إلى ذلك من عناوين. وهكذا تمّت إعادة الصور المشوّهة والممسوخة من التاريخ، عبر ادعاء المهدوية أو اليمانية، مع العلم أنّ دعوة الإلهام لا تحتاج إلى عرض للأدلّة، خصوصاً في مجتمع يعاني من الحصار العقلي لمدة تتجاوز نصف قرن من الزمن، وفي محيط لم يستطع المثقف أن يخترقه فبقيت ذهنية القبلية والعشائرية هي السائدة.

ولم يبقَ ثمة أمل بعد حادثة البصرة الشهيرة بصولة الفرسان، غير النسيان أو التناسي. لكن على الرغم من كل ما حدث فقد بقي التيار الصدري، تياراً للوعي الجماهيري، أخذ يهتف بإعادة التثقيف، وأن الثقافة الآن هي من يؤدي دور المقاومة الحق، وأخذ زعماؤه الجدد يكررون ذات ملاحظاتنا في 2005 حول ضرورة التثقيف والعودة إلى التراث الصدري، وهي الملاحظات التي كانت آنذاك قد استوجبت غضب بعضهم!! فهل يترك المثقف هموم بلاده وينعزل في تفسير رواية تقع أحداثها في أرض سحرية أو منفى بعيد، أو يهمل كل شيء ويصمّ آذانه وينشغل في تفكيك قصيدة فردية البوح مأساوية المضمون تتساوى قراءتها والإهمال؟!

لقد بتنا نقرأ نقداً ذاتياً بدأ يتوضح كبذرة أولى داخل التيار الصدري، يخالف النهج السالف من التكبر والانغلاق، والذي بات الآن نهجاً عاماً للراهن الحزبي الذي يغصّ به العراق ويأنّ من ويلاته. فمثلاً وردت على لسان السيد راسم المرواني، مستشار المكتب الثقافي لمكتب الشهيد الصدر في 22/10/2008 سلسلة مقالات نقدية جاء في إحداها، ونورده هنا بطوله لأهميته:

(إن أول المؤشرات السلبية التي أدت فيما بعد إلى إخفاقات في المشروع الصدري تكمن في أن الخطاب الصدري ظل مترنحاً بين (العنف الثوري) المشوب بالعاطفة، و(الموروث المتجذر التقليدي)، فقد حاول أغلب الخطباء الصدريين تقليد صوت وحركات المولى المقدس (محمد الصدر)، واعتبروا ترديد عبارات (حبيبي) و(قل لا؟) وعبارة (سبحان اللَّه!!!) الغاضبة، وعبارته المتسائلة (اللَّه يدري لو ما يدري؟) وسيلة من وسائل استقطاب الوعي والمزاج الصدري وتذكيره بالسيد الشهيد، واعتبروا هذه العبارات هي كل ـ أو غاية ـ الموروث عن سماحته. ولذا، ومن باب الرتابة غير الواعية، استمر الصدريون ـ حتى يومنا هذا ـ في ترديد وتكرار خطب الجمعة التي ألقاها السيد الشهيد في حياته من على منابر صلاة الجمعة، متجاوزين الكم الهائل من الطروحات الرائعة والمعلومات والبحوث والإرهاصات التي تكتنز في مؤلفات هذا المرجع العملاق الثائر، وكأن كل ما جاء به هو خطب الجمعة فقط.

ومن هذا الباب الضيق، فقد ردد الصدريون شعارات السيد الشهيد الصدر التي كان يرددها في زمن السلطة المقبورة وقبل اغتياله بشكل تقليدي، دون الرجوع إلى الظرف الموضوعي لخلق الشعار، وأخطرها شعارات (نعم نعم للمذهب) أو (كلا كلا نواصب)، وهما شعاران رائعان وواقعيان ومهمان جداً، ولكنهما فقدا أهميتهما بالنسبة للواقع المعاش، ذلك لأنهما أصبحا ـ في بداية الاحتلال ـ يشكلان معوقاً أمام مشروع الوحدة الوطنية الذي بدأه السيد الشهيد الصدر واضطلع باستكماله السيد مقتدى الصدر، وكان المفترض أن تتغير أسلوبية الخطاب الصدري في مرحلة ما بعد الاحتلال، لأن السيد الشهيد عندما رفع شعار (نعم نعم للمذهب) إنما كان في مرحلة من مراحل تهديد السلطة الصدامية للتشيع، وحين رفع شعار (كلا كلا نواصب) فإنه كان يعني بذلك السلطة التي مارست أشد أنواع الاستهتار بالشيعة وطقوسهم وعلمائهم.

أما في مرحلة ما بعد سقوط السلطة فكان ينبغي أن يتنصل الخطاب الصدري من مستواه المحلي المحدود إلى المستوى الإقليمي أو العربي، لأن الإسلام برمته والوطن برمته خاضعان للتهديد، على الرغم من أن الكثير الكثير من أخوتنا وأحبتنا من أهل السنَّة قد فهموا مغزى الخطاب، ولم يتوجسوا منه، ولكن جلَّ خشيتنا كانت متأتية من الطائفيين والمصطادين بالماء العكر ـ أن يستغلوا هذه الشعارات لأغراض دنيئة لا علاقة لها بأصل الشعار وغايته.

وحتى شعار (نعم نعم للإسلام) فإنه ـ حسب رأينا ـ كان يمكن أن يسبب عزلاً للمسيحيين والصابئة الوطنيين المناهضين للاحتلال، ويجعلهم خارج إطار الوطنية، على الرغم من أن السيد مقتدى الصدر قد رفع شعار (نعم نعم للإسلام) لما يعيه من مؤامرة صليبية لا علاقة لها بالمسيحية الحقيقية ضد الإسلام والمسلمين.

الصفحات