أنت هنا

قراءة كتاب صناعة شهود الزور

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
صناعة شهود الزور

صناعة شهود الزور

كتاب " صناعة شهود الزور " ، تأليف نضال حمادة ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 3

كان يوماً بارداً من أيام شهر شباط عام 2005، وكانت العاصمة الفرنسية باريس يلفّها طقس غائم وبارد كعادتها في مثل هذا الشهر. كنت خارجاً من مركز الصحافة الأجنبية الذي كان يتخذ مركزاً له في أحد أقسام الطابق الأول من مبنى راديو فرنسا الضخم الواقع في الدائرة السادسة عشرة من باريس على ضفاف نهر السين. عند وصولي إلى محطة الباص المقابلة لمبنى الراديو رن هاتفي الخلوي، وما كدت أفتح الهاتف حتى بادرني شخص يتكلم بلهجة أهل الجبل اللبناني، وعرّف عن نفسه (وسيم حمادة) بأنه مسؤول في تيار المستقبل في باريس، ولم يمهلني الشاب الكلام حتى بادرني بالسؤال: هل أنت سنّي أم شيعي؟ لقد كان السؤال غريباً وقوياً في الوقت نفسه، غير أن هناك شعوراً غريباً جعلني أتعامل مع المسألة بشكل طبيعي، كما أن إحساس الصحفي الفضولي ألقى على لساني كلمتي (انا سنّي) فأتاني الجواب من الطرف الأخر: نحن نقوم بالاتصال بكل السنّة في فرنسا، وسوف نعاود الاتصال بك من أجل تحديد موعد لقاء. (اللقاء لم يحصل، وعلمت فيما بعد أن هناك من قال له هذا ليس سنّياً) (2).

لم أكد أنتهي من الاتصال حتى رن هاتفي مرة ثانية من قبل صديق لي (م.س) وهو سنّي. قال لي: أتاني اتصال من (ريما طربيه) التي عرّفت عن نفسها بأنها مسؤولة تيار المستقبل في فرنسا وسألتني إذا كنت شيعياً أم سنياً، فقلت لها: أنا سنّي، لماذا هذا السؤال. فقالت لي: نحن نقوم بالاتصال بجميع السنّة في فرنسا، وقد أعطتني موعداً غداً عند الساعة الحادية عشرة، قلت له: لقد تلقيت منذ دقائق اتصالاً بهذا المعنى ولكن من دون تحديد موعد.

في اليوم التالي، ذهب صديقي إلى الموعد المتفق عليه مع ريما طربيه التي كانت برفقة رجل أسمر يرتدي نظارات شمسية تحجب رؤية عينيه، وبعد أن عرّفت عن نفسها بأنها مسؤولة تيار المستقبل في باريس ومستشارة الرئيس الحريري الإعلامية، تابعت الحديث قائلة: تيار المستقبل يقوم حالياً بجمع السنّة في فرنسا من أجل العمل تحت جناح التيار وتوحيد الصف، وتحدثت عن اغتيال الحريري بأيدي السوريين الأعداء. رد عليها صديقي قائلاً: هل تذكرين زيارة الرئيس الحريري إلى باريس عام 1996 في اعقاب عدوان نيسان؟ أجابته: نعم، قال:هل تذكرين المقابلة التلفزيونية على القناة الفرنسية الأولى مع الصحافية (كلير شازال)؟ لقد أثار رفيق الحريري عليه كل اللوبي الصهيوني في فرنسا عندما شبّه المقاومة اللبنانية ضد إسرائيل بالمقاومة الفرنسية بقيادة شارل ديغول (3). بالنسبة لنا هناك أرض محتلة في شبعا وفي كفرشوبا فضلاً عن أراض عربية محتلة، ولا يمكن لنا أن نتخلى عنها عبر صناعة عدو وهمي هو سوريا. هنا تدخل الرجل الأسمر متحدثاً بالفرنسية فقال: هناك مسار سلام آتٍ، ويجب أن نؤيده ولا يجب علينا أن نتوقف عند قطعة أرض صغيرة كمزارع شبعا أو غيرها؛ هنا وهناك الأرض لا تستحق أن نوقف عملية السلام من أجلها. بعد ذلك التفتت طربيه نحو صديقي وأشارت بيدها إلى الرجل معرّفة، إنه زوجي (دافيد مرواني) وهو يهودي من أصل تونسي، ثم تكلمت عن نفسها وقالت لصديقي إنها تنتمي إلى القوات اللبنانية، وقد ارتدت بزة عسكرية، وحملت سلاحاً في صفوف القوات لكنها لم تقتل أحداً (4).

دافيد مرواني هذا ليس رجلاً مغموراً، فهو بحسب ما يترد في أوساط الجالية التونسية في فرنسا يعمل متنقلاً بين باريس وتل أبيب، وهو معروف في أوساط الجالية التونسية في باريس.

أما ريما طربيه فلها قصة أخرى تستحق المتابعة والقراءة، وهي أشبه بقصص آغاتا كريستي البوليسية في تشعباتها وغموضها وإمكانية فك لغزها بقليل من التحقيق الجدي والصادق. كانت ريما طربيه شخصية سرية ومغمورة حتى أتى بها العميد جوني عبدو صديق الحريري الشخصي وحليفه السياسي الدائم (5) حيث اتخذها، هذا الأخير، مستشارة إعلامية له بالاستناد إلى كلامها في محضر التحقيق المتعلق بموت مارون بغدادي، وهي واحدة من مجموعة أشخاص أتى بهم جوني عبدو إلى الرئيس الحريري من بينهم زاهي البستاني (6) الوسيط السابق بين آريل شارون وبشير الجميل، وقد تولى البستاني مسؤولية أمن الرئيس الحريري.

عملت طربيه مستشارة مسؤولة عن العلاقات مع الصحفيين الأجانب لدى الرئيس الحريري، وغادرت لبنان إلى فرنسا لسبب غير معروف، وكان ذلك بعد وفاة المخرج السينمائي مارون بغدادي في 11/12/1993 وذلك بسبب سقوطه داخل حفرة مصعد كهربائي غير كاملالإنشاء، حيث كانت آخر شخص رآه في تلك الليلة، وهي التي أوصلته بسيارتها حوالى الساعة 30:12 ليلاً إلى منزل والدته في التباريس، كما يذكر جوزيف سماحة في كتابه عن موت مارون بغدادي (7).

وإذا كانت علاقة ريما طربيه بحادثة سقوط مارون بغدادي في حفرة المصعد غير واضحة المعالم وتطرح تساؤلات منطقية وجنائية أوردها جوزيف سماحة في كتاب "قضاء لا قدر"، في أخلاق الجمهورية الثانية، (8) فإن ارتباطها باليهودي التونسي دافيد مرواني وإنجابها منه ولدين، وهو المعروف بزياراته الدائمة لإسرائيل بالاستناد إلى أوساط في الجالية التونسية في باريس، يشير إلى أكثر من علامة استفهام (9). هذا الارتباط العائلي لريما طربيه لا يزال واضحاً وضوح الشمس وغير مخفي أو مجهول عن الجميع في فرنسا حيث يعيش الزوجان. ولكن ما هو موضع التساؤل والريبة هو تمسك الحريري الابن بها وتسليمها مسؤولية تيار المستقبل في باريس وهي التي تعيش في كنف رجل يهودي، يتنقل بين تل أبيب وباريس. وقد حدثني صديقي نفسه أنه التقى مسؤولاً في تيار المستقبل بعد عدة سنوات في أحد المطاعم اللبنانية وسأله عن ريما طربيه فقال له: إننا لا نتعاطى معها بسبب ارتباطها بالموساد، مضيفاً بأنها كانت مسؤولة الارتباط بين القوات اللبنانية والجيش الإسرائيلي خلال اجتياح عام 1982 (10). غير أن وسائل إعلام المستقبل أظهرتها في مناسبات عديدة وقدمتها على أنها مسؤولة تيار المستقبل في باريس، مع أن بعضهم يقول إن هذا غير صحيح.

الصفحات