هذا النص حلم بكل "سميحة" كنتها، ولكن المخاتل والخطير، أن واحدة فقط، هي التي صارت عليها تلك الكثيرات، واحدة فقط تكتب عنهن، عن لحظاتهن، عن أماكنهن وأزمانهن، هي أنا، لن يكون عدلاً صياغة عوالمهن المدفوعة بحب اكتشاف الحياة وفق نظرتي التي تصور لي أنني أعرف أكثر،
أنت هنا
قراءة كتاب على جناح الطير - سيرة المدائن
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
هي مشاهدة وشهادة على نمو المدن، انكماشها أو تمددها، مفارقتها رائحتها الخاصة وطعمها المميز لصالح حجرات الفنادق التي تشبه بعضها في العالم كله، ما عدا لوحات فنية لفنانين تشكييلين مغمورين تزين الجدران بأصداء الحنين، ونتف من العالم الذي كان: أشرعة سفن، أو نقوش على بساط، أو مشربيات في بناء قديم، أو وجه امرأة موشوم، بعض من الذاكرة التي على الجدار ما زالت في خاطري.
في هذا النص، لم أوزع روحي على الأماكن، ولكن الأماكن اتخذت مواقعها في روحي، ومنحتني الحياة هبة عظيمة، بساط الريح؛ جناح طائر كي ما أطوف في الدنيا متحسسة عظمة إنجاز البشر، ومرآة أرى فيها ذاتي؛ نقطة ماء صافية في بحر عظيم، كثير الموج والمرجان واللآلئ.
هذا النص سيرة الأماكن؛ لا سيرتي الذاتية، لا علاقة له بما مر معي كفرد، إذ ستظل سيرة حياتي خفية لأني لم أكتبها، ولن أفعل، لا في الروايات التي تحمل شظايا وكسَراً ونتَفاً منها، ولا في هذا النص. وإن تجرأت يوماً على تلك الكتابة الفذة (الاعتراف)؛ فأظن إني سأخفي الكثير، وأنسي الكثير، وأتجاهل الأساسي، لا أملك شجاعة مؤنس الرزاز في كتابة السيرة الذاتية، كل ما في الأمر، وفي هذا النص؛ أكتب تاريخاً اجتماعياً أكثر منه سيرة ذاتية، أو إنه سيرة جمعية للمكان والإنسان الذي عرفت، بعيداً عن التخييل، وإن استعصى عليّ تحييد معارفي الخاصة ومزاجي في قراءة تلك المشاهد.
ليس هذا النص انشغالاً بالماضي بالمعنى الرائج، فأنا ابنة "الخيّام" بجدارة؛ أردد معه: "لا تشغل البال بماضي الزمان.. ولا بآتي العمر قبل الأوان. واغنم من الحاضر لذاته.... فليس في طبع الليالي الأمان".
أي إني على الصعيد الشخصي؛ ابنة اللحظة، لكني على مساحة المعرفة؛ أتوق إلى تقليب خزين ذاكرتي، ومسح أغبرة الزمن كي أصل الماضي بالحاضر في النص الروائي، وكي أشير إلى خلجات النمو في هذا النص الذي يتناول سيرة مدن عشت فيها، عرفتها طفلة، ورأيتها تنمو وتشيخ.
أمرُّ في النص كما في الحياة، مرور الضيف، تتعالق تفاصيل نمو المكان بتفاصيل نموي، خبرات الناس بخبراتي، الأحداث التي شكلت وجه المكان وملامح إنسانه، بالأحداث التي رسمت خط مسيرتي.
أجلس على جناح الطائر المحلق؛ أنظر إلى الكون الفسيح يسلمني بعض المفاتيح، والذاكرة تنساح عن أزمنة متباينة، وأماكن متباعدة، وأرى نفسي كثيرات، يتعلمن أبجدية العيش، يتناسلن بعضهن من بعض، يجربن الحياة، ويمتحن منها قطرة قطرة، لأكون.
يقول بورخيس في مجموعته "كتاب الرمل": إن نصف قرن لا ينقضي عبثاً. لقد أدركت من خلال نقاشنا عن الناس والقراءات المتنوعة، وأذواقنا المختلفة، أننا غير قادرين على فهم بعضنا بعضاً، فقد كنا متشابهين جداً، ومختلفين جداً، لم نتمكن من خداع بعضنا بعضاً، مما جعل الحوار بيننا صعباً، كان كلانا نسخة كاريكاتيرية للآخر، وكان مستحيلاً أن نستمر فترة أطول، واستعصى عليّ إسداء النصح له، ذلك أنه وبطريقة لا يمكن تجنبها، كان مقدراً له أن يصبح الشخص الذي هو أنا".
هذا النص حلم بكل "سميحة" كنتها، ولكن المخاتل والخطير، أن واحدة فقط، هي التي صارت عليها تلك الكثيرات، واحدة فقط تكتب عنهن، عن لحظاتهن، عن أماكنهن وأزمانهن، هي أنا، لن يكون عدلاً صياغة عوالمهن المدفوعة بحب اكتشاف الحياة وفق نظرتي التي تصور لي أنني أعرف أكثر، وأطل على مساحة أوسع من خفايا الحياة، ليس عدلاً أن تسجن تلك الأزمنة البريئة في القالب الثقافي الخشن، الذي تأتّى لي عبر المراحل. ولكن، من قال إن الكتابة قادرة على العدل أو تتوخاه؟
أعود للقول: هذه ليست سيرة ذاتية، إنها سيرة الأماكن من عين الذات، وسعتُ فيها للمكان كي يكون حاضراً، متلوناً بكل الألوان التي تعتري حجارته وبحاره وروابيه، ليكون فاقعاً على السطر، أكثر من لون عمري الخاص الباهت، الذي قد لا يهم أحداً، بينما المكان يهم الجميع، إنه قالبنا الذي يصنعنا على قياسه.
في هذا النص، جئت بذلك الوهج الغريب الذي نراه من نور النار حين تشب، أو اللفح البارد المتأتي من مرور الريح، ومن وجيب القلب الواقع بين الخوف والمتعة، كلما دفعت أرجوحة الطفولة المعلقة في شجرة البلوط عالياً، وخيل إلي أني أمسكت العالم بين يدي.
أين ستفضي بي الأخيلة؟ هذا سؤال الرواية.
أما سؤال النص الواقع بين أيديكم:كم من الحقيقة تمكنت من قنصها؟ وهل كنت رحيمة بالأسماء والأحداث التي شكلتني وشيدت المدن! إنه سؤال الحياة الحائرة.


