أنت هنا

قراءة كتاب على جناح الطير - سيرة المدائن

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
على جناح الطير - سيرة المدائن

على جناح الطير - سيرة المدائن

هذا النص حلم بكل "سميحة" كنتها، ولكن المخاتل والخطير، أن واحدة فقط، هي التي صارت عليها تلك الكثيرات، واحدة فقط تكتب عنهن، عن لحظاتهن، عن أماكنهن وأزمانهن، هي أنا، لن يكون عدلاً صياغة عوالمهن المدفوعة بحب اكتشاف الحياة وفق نظرتي التي تصور لي أنني أعرف أكثر،

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 5

أرواح تتصعد من الماء، وجنيات تهبط من السماء، وفاتنات يلعبن في وهج الشعلة؛ مختلطة الألوان التي أراها في صحارى وحقول احتراق الغاز الطبيعي بين مدينة الدوحة ومدينة دخان الصناعية، هناك توحش لجمال الصحراء لا يترك روحي هادئة، في سن مبكرة قبل اكتمال معرفة الحرف في قلمي، خبرت تفتق الروح ورتقها إزاء الجمال الذي لا يلحظه أحد، وينكر وجوده المحيطون به.
كنت حانقة على مدرستي الأولى "خديجة بنت خويلد" في الدوحة، وأفتقد عامي التمهيدي في مدرستي العمّانية "عائشة الباعونية" في جبل اللوبيدة. من دون حماسة قطعت أنا وأمي الطريق إلى مدرستي الجديدة مشياً على الأقدام، مررنا بساحة متربة ودكاكين بسيطة، وقالت أمي لبائع سجاد متجول صادفنا على الدرب، أن يوافيها في المنزل بعد ساعة، سمعت تعابير جديدة نطقت بها أمي، مثل "زولية" أي سجادة، أو يجب الإسراع للقاء "الليلم" تقصد البائع المتجول. أعجبت بقاموسها الجديد، وقدرتها على التقاط الكلمات، والتأقلم السريع مع ما لم تتعامل معه مسبقاً.
انشغلت بإعجابي بأمي إلى أن وصلنا المدرسة، ثم عند البوابة العريضة اضطرت أمي إلى حملي رغم سنواتي الست.... فقد ثقلتُ واهتجتُ ورفضتُ التقدم خطوة، و"فرّاشة"عاملة التنظيف في المدرسة تراقبني وتضحك، رحت أرفس وأتشبث بفستان أمي وكتفيها وشَعرها القصير، وأصيح بزعبرة مغمضةً عينيّ: الغولة...
خبطت أمي ظهري لتمنعني من التفوّه بالحماقات، ثم ضمتني مؤنبة خجلى لتصرفي الغبي، حاولت التقهقر والامتناع عن دخول المدرسة، فالمرأة الملتفة بالعباءة السوداء عند الباب، مقنعة بقناع جلدي لامع، لم أتمكن من التحديق الجريء في وجهها لأرى عينيها، لكنها ظلت تضحك، وهي تقول: يا بنت، أنا مَرَةْ.
الانطباع الأول عن ذلك البناء المسطح فوق الرمل لم يكن إيجابياً، فالسور يحيط بالمدرسة تماماً، ويعزله عن العالم كما لو كان قلعة تخفي وراءها معسكراً إجرامياً، وعند البوابة ذلك المخلوق الذي يدعي أنه امرأة، ثم إن أمي سحبتني إلى الداخل عنوة، لكن الرفاهية التي فاجأتني في المباني الداخلية، والاتساع المدهش والفضاء الحر، ثم حجرة المديرة الأنيقة وترحابها اللطيف، واستقبال معلمة الصف الودود ووجوه البنات، كل ما حولي، أعاد إليّ الثقة بأني على وشك معايشة حياة مدرسية موفقة.
أفزعني في حجرة الصف أن أمي تخلت عني، وتركتني في العالم الجديد ومضت، وبفعل الطاولة العريضة والمقاعد والمديرة الصارمة، استكنت قليلاً... أجبت بوضوح عن أسئلة المديرة، وعبّرت عن مخاوفي بشيء من الثقة لا تتناسب مع الزوبعة التي أحدثتها خارج المدرسة، أكدت أن الغولة التي تجلس عند الباب كانت تتهددني.. وقد تقرقش عظمي قبل لحمي؛ كوني عجزت عن مبادأتها السلام. ضحكت معلمتي متآمرةً مع المديرة، ثم خلال دقيقة انضمت الغولة إليهما، تهامسن؛ ورفعت المرأة المخيفة قناعها، كانت الرقعة الجلدية قد تركت خطاً بنفسجياً فوق أنفها، لكن وجهها كان بشوشاً وسمرتها محببة، أشارت إلى القناع قائلة: هاي "بتولة". في ما بعد فهمت أن هذا اسم القناع الجلدي الذي يغطي وجهها، لابسة القناع تحولت بقدرة قادر إلى امرأة ضاحكة لطيفة.
أدركت أن سذاجتي ستودي بي إلى سقطات كثيرة، تصنّعت الفهم والثبات، احتملت الغولة أياماً إلى أن أيقنت أنها صديقتي الحميمة التي ستبيعني طوال عامي الدراسي زجاجة الكولا الباردة و"النخي" أي حمص القضامة المملح اللذيذ، وهي تغطى وجهها بفخر بـ"البتولة" الجلدية السوداء المذهّبة وترتدي فستانها الزاهي"النفنوف" المزين بالأزهار الصغيرة.
تحمل فرّاشة المدرسة اسماً غريباً، تنطقه البنات القطريات والعربيات الوافدات على حد سواء بقلب الكاف إلى شين، "سبيشة"، لم أعرف دلالته إلا وأنا أغادر المدرسة الابتدائية إلى الاعدادية، كان الاسم عربياً بامتياز، يدل على سبيكة الذهب، لا تنتهي مهمة "سبيكة" بمسح الغبار وتنظيف الحوش وتلييف النوافذ ومراقبة الحمامات، لكنها موكلة بالحراسة، وتاجرة ماهرة تأتي ببعض المأكولات والمشروبات تبيعها للبنات في الاستراحة بين الحصص الدراسية؛ "النخي" الذي يحلو لنا وضعه في زجاجات الكولا، ومعجنات الزعتر، وقوارير الصلصة بالشطة التي نسكبها في أكفنا ونلحسها متحملات حدتها. صارت المرأة التي خفتها في يومي الأول صديقة لي؛ تدللني، وقد تدينني بعض الروبيات إذا نسيت مصروفي، كانت العملة النقدية المستخدمة هي الروبية الهندية، ولم تكن أحوال الفرّاشة النشيطة مزدهرة جداً، لأن المدارس كانت تعمد إلى نظام تغذية جماعي.
كنا في عمان نتناول إفطارنا في المنازل، ونزود بساندويش أو قطعة فاكهة، أما مدرستنا في الدوحة فقد زودت بقاعة متسعة نتناول فيها طعام الافطار، في الطابور الصباحي توزع علينا علب كرتونية صغيرة من الحليب، ثم نمضي إلى القاعة حيث تحظى كل طالبة بوجبتها الكريمة، خبز وجبن وبيض وتفاح وبرتقال، تدخل قطر العصر بجيل مبني الجسد على نحو مدروس.

الصفحات