أنت هنا

قراءة كتاب على جناح الطير - سيرة المدائن

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
على جناح الطير - سيرة المدائن

على جناح الطير - سيرة المدائن

هذا النص حلم بكل "سميحة" كنتها، ولكن المخاتل والخطير، أن واحدة فقط، هي التي صارت عليها تلك الكثيرات، واحدة فقط تكتب عنهن، عن لحظاتهن، عن أماكنهن وأزمانهن، هي أنا، لن يكون عدلاً صياغة عوالمهن المدفوعة بحب اكتشاف الحياة وفق نظرتي التي تصور لي أنني أعرف أكثر،

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 6

لم أكن طفلة مغرمة بالمدرسة والمدرّسات، ولم أعترف لمعلمة اللغة العربية أني أستمتع بدرس المحفوظات، ولأني عجزت عن أداء التجويد القرآني كما يجب، فقد خبأت في داخلي افتتاني باللغة والقصص القرآني.. كنت طفلة سمراء مزعجة، تمشط أمي شعري في جديلتين، فأفكّهما ثم أعيد ربطهما حتى تحوّل الرطوبةُ رأسي إلى كرة شعر منفوش... ولكني كنت أسير خطواتي الأولى نحو الحياة، كما نحو الكتابة، وتمكنت من إحراز المرتبة الثانية على الأغلب في صفوفي كما تراجعت إلى الثالثة مرات، بينما حصلت على المرتبة السادسة على مدارس قطر كلها عندما نلت شهادة المرحلة الابتدائية، وحظيت باحتفال كبير وكريم من عائلتي ومدرستي معاً.
كانت المعلمة "سحر" تعلّمنا "الدين"، ولم أكن أستلطفها، حتى إذا ما انتقلت إلى تعليمنا اللغة العربية وقعتُ في غرامها، وبدأت هي من جانبها تهتمّ بي، تمنحني أدواراً في مسرحية المدرسة، وتعطيني مساحات في صحيفة الحائط، وتسمح لصوتي المرتعش أن يلعلع كل يوم عبر الإذاعة المدرسية. كانت تربّي فيّ مخالب وعفاريت الكتابة والقراءة والإبداع، من حيث لا تعرف؛ ولا أعرف...
المدرسة تجمّع فريد للّهجات العربية، منذ اليوم الأول ميزت الخليط الذي لا يعرف حداً، بنات قطريات وأردنيات ومصريات وفلسطينيات ولبنانيات وسودانيات، ومعلمات مختلفات الجنسيات، ليس بينهن قطرية، الغريب إننا على صغر أعمارنا طورنا مهارات مدهشة في التثاقف، كنا نفهم ببساطة اللهجة المصرية؛ فقد تعلمناها من الأفلام المصرية التي يبثها تلفزيون "أرامكو" وهي محطة تلفزيونية بريطانية_سعودية ثبت من حقل أرامكو النفطي، كما أنها المحطة التلفزيونية الوحيدة التي يلتقطها جهازنا، أما باقي اللهجات فكان علينا أن نتمتع بحس سليم تجاهها، ثم نصل إلى لهجة هجين وسطية نتعامل بها بنجاح كبير، أعتقد في ذلك الزمان أن أكبر تأثير للمدارس الخليجية كان في خلق ذلك التناغم الجميل بين أجيال عربية، جمعها موقع عمل واحد، مثل نافذة على التنوع والتعدد.
تجلسني أمي أرضاً وهي تمشط شعري الطويل وتجدله ثم تربطه بشبرتين، شريطين أبيضين منشَّيتين، أتذكر أنها قامت وقعدت وصرخت وشدت رأسي بعنف، ونفلت رأسي في يوم صباحي مزبدة غاضبة، فقد اكتشفت قملات تسرح وتقع على كتفي، كما ميزت سبب حكي لرأسي وهي ترى بيضات القمل "الصيبان" تتشبث بشعر الرأس، كانت تلك فضيحة كبيرة لم أتحمل أن تفجرها أمي جهراً في مكتب المديرة، بكيت بحرقة؛ وسائلُ الكاز الحراق الذي يفوح برائحة كريهة يغسل شعري، وبكيت أكثر في الصف والبنات يبكين ومسطرة المعلمة تفتش رؤوسهن، كنت أشاهد القملات تسرح في الجدائل الطويلة للبنات وعرفتها في رأسي، ولكني لم أظن أنها تستوجب تلك الهزة والضوضاء التي افتعلتها أمي. وُزعت قوارير الكاز الصغيرة على البنات، وأُحضر دواء آخر بعد أيام قضى على القمل تماماً، ارتاح رأسي من الحكاك، وشكرت لأمي ما كان أغضبني في حينه، رغم أن علاقتي مع البنات اهتزت وشابها الفتور لفترة، فقد حملن أمي مسؤولية فضيحتهن. لعلنا لم نعرف القمل في عمّان لاعتدال أجوائها، ولكن شدة الحرارة وارتفاع نسبة الرطوبة كانت بيئة مناسبة لتفريخ تلك الحشرة اللئيمة السريعة في الرؤوس، وتسريع انتشارها وعدواها، المدرسة لم تكن بيئة للتعلم فحسب، لكنها بيئة لبناء النفس والجسد، وتعلم مواجهة الحياة والتغلب على الصعاب، ولعل الفحص الطبي الذي بات من أساسيات كل عام في المدرسة؛ واحد من أهم إنجازات المدارس القطرية آنذاك.
لا تخلو أيام المدرسة من فرح ونشاطات ممتعة، أذكر درس الفن الذي تعطيه لنا مدرسة التربية الفنية رقية قدروة التي علمتني كيف أرسم القطة، وما زلت إلى يومي هذا؛ أرسم الانحناءات نفسها في لحظة الملل، لتكون على الورقة قطة وديعة قابعة تنظر بعينين واسعتين، وذيلها ممدد حتى طرف الورقة، علقت المعلمة قطتي كلوحة على الجدار ومدحت قدراتي. مثلها كانت مدرسة الاجتماعيات تمتدح عبارتي العربية السليمة، ومعلمة النشاطات تعجبها السلال التي أجدلها، والأصداف التي أحولها إلى فراشات وبطات، معلمة العلوم لميا أبو حجلة تتعامل مع ضعفي بمادتها برحمة وشفقة كبيرة، وتسمح لي بالمجيء إلى بيتها لتلقي دروس خصوصية، حينها كنت أظنه تبرعاً منها، لم أدرك أن أبي يدفع ثمناً لتخلفي في ذلك المساق.
معلمة اللغة العربية "سحر"، ولا أذكر اسم عائلتها، لم ترضَ عني حتى تجاوزت الصف الرابع، وبت أكتب لها أفكاراً خارجة عن التكليف الذي وجهته لنا في حصة التعبير. بين الدرس واللعب تمر أيام العيد كرنفالات للشعوب، نرتدي بعد العيد فساتين العيد، ونحضر إلى المدرسة الكعك والمعمول و"التوفي"، البنات القطريات يرتدين فساتين مقصبة زاهية وبخنق يغطي رؤسهن، وينسدل على أكتافهن مزداناً بخيوط ذهبية وفضية فوق قماش أسود ناعم، وتخيط أمي فستان العيد، إلى أن افتتح في قلب الدوحة متجر للملابس.
أذكر الهرج الذي حدث، كان الوافدون العرب مدعوين إلى افتتاح متاجر السلام، أوقفوا سياراتهم على الطريق الترابي، ودخلوا المتجر الذي يوزع حبات الشوكولاته، وضيعت النسوة تحويشة العام وهن يبتعن ما يعجبهن من ثياب لهن ولأطفالهن، إضافة إلى اللعب وبياضات البيت وأدوات الزينة، كل البضائع كانت من الماركات العالمية، وحظيت بفستان أزرق بهيج له قبة من الدانتيل المخرم، ذهبت إلى المدرسة أرتديه بزهو.
الشوكولاته التي وزعتها محلات السلام في الافتتاح جُلبت من لبنان، ولما كنت أعرف شوكولاتة "غندور"، وهي ماركة تجارية لبنانية كانت تباع في عمّان، وهي المفضلة إلى جانب أنابيب "سمارتيز" وحباتها الملونة، فقد فرحنا وابتعنا علباً من تلك الحلوى اللذيذة، لكن الأحاديث بين الوافدين كانت تدور على تعرف القطريين على تلك الحلوى.

الصفحات