تتسم أعمال هذه الدراسة وأحداثها المتفاوتة بخاصية ضمنية تُحرّكها، وتتحكم فيها، ألا وهي ظاهرة التجانس والانسجام الموضوعي.
أنت هنا
قراءة كتاب الأصولية والعقلانية - دراسات في الخطاب الديني العُماني
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الأصولية والعقلانية - دراسات في الخطاب الديني العُماني
2) لا يمكن تفسير السيطرة التي يمارسها الغرب على المجتمعات الإسلامية عن طريق الضعف العقائدي للإسلام، أو عن طريق معارضة الإسلام للتقدم والعقل الحديث والعلم كما ادعى أرنست رينان. على العكس، فإن الإسلام دين منفتح على كشوفات الحضارة الحديثة. ولكن المسلمين سرعان ما تخلوا وتحولوا عن التعاليم الصافية والخصبة للإسلام الأولي. إذن، فالحل التاريخي لمعالجة الانحطاط يكون ببعث الإسلام في عظمته الأولى.
3) إن العدالة والأخوة والديموقراطية وحقوق الإنسان وتحرير المرأة والتسامح والاستخدام العادل للملكية ونشر الثقافة... وكل ابتكارات الثورة الحديثة موجودة في الإسلام منذ عصره الأول ( العصر الافتتاحي). فالإسلام يطالب بكل ذلك وينص عليه. إن الإسلام هو معلم الغرب والعالم.
4) الأيديولوجيا المادية التي يبثها الغرب تهدم القيم الروحية للإسلام. ينبغي إذن، محاربتها ومحاربة كل متّبعيها من مستشرقين وباحثين مسلمين معتنقين للأفكار الغربية في آن معاً.
5) العلوم الموجودة في الغرب غير قادرة على الفهم الموضوعي لتاريخ الإسلام وتعاليم الإسلام. ينبغي إذن، الالتزام الكامل بمنهجية الأصول ( أصول الفقه وأصول الدين). وحتى الفلسفة الإغريقية التي اعتمدها وتبناها المفكرون المسلمون في الحقبة الكلاسيكية تظل مشبوهة.
6) فصل السياسة عن الدين يمثل فكرة هدامة اخترعها الغرب. أما الإسلام فهو يحافظ على المراتبية الهرمية بين السيادة التشريعية العليا (كلام الله وتفسيراته المأذونة) وبين كل أشكال السلطة السياسية.
7) كل الاختراعات الكبرى للعلم الحديث موجودة سابقاً في القرآن أو معلنة ومشروحة فيه. لقد سبق العلماء المسلمون كل الأوروبيين وعلومهم وخصوصاً اثناء العصور الوسطى.
8) لا يمكن لعملية البناء الوطني الجارية حالياً بعد الاستقلال أن تتم بمعزل عن الإسلام أو ضده (14).
هذا يعني أن هذا البحث لن يهتم بشخصية معينة، أو يركز على قائل أو منتج واحد للخطاب، بل إن التركيز سيكون على الخطاب بصفته إنتاجا جماعيا تجسد في تيار معين، أو وجهة نظر واحدة، ثم على نتائج تلك الرؤى على المتلقي من هيمنة، وبرمجة، ونمذجة تصل إلى حدود الاستنساخ بالمعنى الفكري للكلمة.
ماذا تعني هيمنة كل هذه المحاور والمواضيع على الوعي الجمعي؟ وليس اقتصارها فقط على وعي فئةٍ معينة؟
هناك الكثير من النتائج، والاستنتاجات التي ستظل مهيمنة، على الوعي الجماعي، وخاصة إذا أخذنا في الحسبان، الضغوطات المتعددة، والأوضاع المتردية التي يعيشها الفرد في هذا المحيط المسمى «بالعالم العربي والإسلامي». نقصد بالضغوطات المتعددة هنا: تلك الإكراهات والاضطهادات التي يعاني منها إنسان الشرق الأوسط، العربي أو المسلم أو غيره ممن ينتمي لهذا الفضاء الجغرافي الواسع، أو يتغذى بهذه الأفكار والأيديولوجيات.
لا تقتصر هذه الضغوطات على تلك الجهة الآتية من الخارج، بل تمتد لتشمل أيضاً الوضع الداخلي لكل كيانٍ سياسي أو ما يسمى بالدول. فهناك ضغوط اقتصادية، واجتماعية، وسياسية، وهناك على الجانب الآخر إحساس متزايد بعدم العدل والإنصاف من قبل السلطات المحلية في كل كيانٍ سياسي. أضف إلى ذلك، أن هذا التداخل والتقارب بين الحضارات ولّد إحساساً لدى المسلم بالتهديد، ومحاولة القوى الخارجية سلبه لقيمه، وانتهاكه لمبادئه ومعتقداته، طمعاً في ثرواته الطبيعية.
لا يمكن إلقاء اللوم على الضغوطات الخارجية والداخلية المتزايدة والمتعددة بالرغم من أهميتها ودورها الكبير، إلاّ أننا ولكي ننظر بموضوعيةٍ وحياد، ينبغي أن ننظر إلى أساليب التعليم والمناهج التي تتبناها الكيانات السياسية من أجل إنتاج هذا الوعي الجماعي الأسطوري: أي ذلك الوعي الذي لا يأخذ بالحسبان التاريخ وعوامله وشروطه، ولا يعطيه أي أهمية تذكر، بل يبقي هذا الوعي متمسكاً بالنص وملتزماً به وبحرفيته، أو بتبنّي تفسير رغبوي يتناسب مع الأوضاع المنتجة لهذا النوع من الوعي. ينبغي أن ننظر أيضاً إلى أساليب التربية، وكيفية التعامل مع الأجيال الناشئة، بل وكيفية غرس التفكير في هذه الأجيال، لنكتشف أن الأنساق المجتمعية والمفاهيمية يتم توارثها بدون الإحساس بالحاجة لأي تعديل أو تحديث، إنها جاهزة لأنها جاءت من السلف، مكتملة ونهائية وخاصة إذا ارتبطت بالفكر الديني.

