تتسم أعمال هذه الدراسة وأحداثها المتفاوتة بخاصية ضمنية تُحرّكها، وتتحكم فيها، ألا وهي ظاهرة التجانس والانسجام الموضوعي.
أنت هنا
قراءة كتاب الأصولية والعقلانية - دراسات في الخطاب الديني العُماني
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الأصولية والعقلانية - دراسات في الخطاب الديني العُماني
تحديدات مفاهيمية
مفهوم الخطاب
ما الذي نقصده بالخطاب؟ وعلى وجه التحديد فما هو المقصود بالخطاب الديني؟ من الضروري الحديث عن الاستخدام اللغوي لمفهوم «خطاب» قبل تحوله إلى التداول وتغير دلالته وذلك بالإضافة أو الحذف للكثير من الترسبات السياسية والاجتماعية. تأتي مفردة «خطاب» كما جاءت في المعجم الوسيط لتعني «الكلام»، ومن مرادفاتها المعجمية القول أو الحديث وغيرها. لذلك نقول مثلاً كلمة الفقيه، أو حديث السياسي، أو خطاب المؤسسة ونحو ذلك.
وبالانتقال من اللغة إلى الثقافة الاجتماعية، فإنه لمن المفيد التذكير بأن الخطاب هو مسألة متحركة وفقاً لتطور المجتمع وتغيره عبر الزمن، وبالتالي فإن ثقافة المجتمع ـ أياً كان ـ هي ثقافة متغيرة. إنها مسألة مترابطة فالخطاب متغير تبعاً لتغير الثقافة وتبعاً لتغير حركة المجتمع، أو هكذا يفترض المرء. كما يمكن قراءة تغير ثقافة مجتمع ما تبعا لتغير خطاباته المنتجة (بضم الميم وفتح التاء).
وبالانتقال من المفهوم لغة إلى محاولة التأريخ، نجد أن هذه المفردة قد وردت في النص القرآني في عدة مواضع، وبصيغ مختلفة، منها: في صيغة الفعل {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} (الفرقان، آية رقم 63)، وفي صيغة المصدر: {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَٰنِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا } (النبأ آية رقم 37) وفي سياق الآية عن داود {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} (سورة ص، الآية رقم 20)، ويبدو أن «فصل الخطاب» الواردة في الآية التي تتحدث عن النبي داودتعني حسب «الرازي» (ت311 هـ) في التفسير الكبير، بأنها الصفات التي أعطاها الله لداود وهي «حصول قدرة الإدراك والشعور» (1). في حين يرى «الآمدي» (ت370 هـ) أن الخطاب يعني «اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيئ لفهمه» (2). وهو يدل عند الأصوليين على ما خوطب به وهو الكلام. استمر الخطاب في الثقافة العربية عند الأصوليين، بهذا المعنى لفترة طويلة، في حين نجد أنه في سياقٍ معرفي وتاريخي آخر، وبالتحديد عند «فوكو» (1926-1984) نجد أن الخطاب عبارة عن «شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تبرز فيها الكيفية التي ينتج فيها الكلام كخطاب ينطوي على الهيمنة والمخاطر في الوقت نفسه» (3). تطوّر المفهوم، أو تغيّره، من سياقٍ تاريخي لآخر، مرتبط بالسياق المعرفي لذلك السياق، وبالوضع الفكري، ذلك انه من الممكن الحديث بناء على التعريف (الفوكوي) للخطاب ـ وهو التعريف المركزي في هذا البحث وذلك لأنه يحتوي على العوامل المختلفة في معالجة الخطابات ـ بأن الخطاب ليس بريئاً إلى الحد الذي نتوهمه، وإلى الدرجة التي يتعامل بها المتلقي تجاه الخطاب بشكلٍ عام. فالخطاب حسب هذا التعريف، عبارة عن «شبكة معقدة» فهو ليس مفرداً، بل هو يرتبط بالكثير من العلاقات والعلاقات المضادة. معنى ذلك بأن الخطاب أياً كان هذا الخطاب، يشكّل ويتشكل عن طريق هذه الشبكة اللغوية والمعرفية المعقدة. ومعنى المعنى هنا، بأن الخطاب لا يمكن أن يتحدث أو يفكر أو يطرح على المتلقي، إلا حسب اشتراطات متعددة، ومتنوعة المصادر. العلاقات المعرفية واللغوية المسموح بها لأي خطابٍ كان، هي التي تحدد أفق التفكير بالنسبة لهذا الخطاب.
وحسب النقد الثقافي (4)، فإن الخطاب خاضع للمؤسسة الثقافية التي ينتمي إليها، واللغة وتصوراتها والأطر التاريخية والمعرفية المسموح التفكير فيها في فترة تاريخية محددة، كل هذه التضمينات تساهم بنسبةٍ كبيرة في صياغة الخطاب والأطر التي يطرحها.
من هنا نستطيع فهم ارتباط التفكير بالتاريخ وارتباطهما باللغة: فما هو ممكن التفكير فيه في عصرٍ من العصور، قد يصبح ممنوعا في فتراتٍ تاريخية أخرى، أو العكس.

