أنت هنا

قراءة كتاب لبنان من دويلات فينيقيا إلى فيدرالية الطوائف - الجزء الأول

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
لبنان من دويلات فينيقيا إلى فيدرالية الطوائف - الجزء الأول

لبنان من دويلات فينيقيا إلى فيدرالية الطوائف - الجزء الأول

هذا الكتاب "لبنان من دويلات فينيقيا إلى فيدرالية الطوائف - الجزء الأول" من هذا القلق، ومن تساؤلات محيّرة، كمثل:

- لماذا يحار اللبناني في هويته؟

- لماذا لا يستطيع اللبناني، منذ فينيقيا، أن يؤسس دولة قوية موحدة؟

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
المؤلف:
الصفحة رقم: 3

أمّا الهجرات التي تلت ذلك في العصور التي أعقبت زوال الأمم القديمة، فهي تلك الهجرات أو التهجيرات التي نقلت جماعات بعينها من مناطق استيطانها إلى أماكن جديدة تلجأ إليها من اضطهاد معيَّن، أو جيء بها لتلعب دوراً وظيفياً محدداً، ما أدى إلى انقسام في بعض المجموعات وتفرعها، أو أدت إلى تغيير في الديانات وتفرعها، ومنها الهجرات الداخلية في بعض الأقاليم، والتي يرصد الباحثون من خلالها تنقلات المجموعات ومتفرعاتها من أسر، وتوزعها الجغرافي، وذلك من خلال تقصي أخبارها، ما أدى إلى فرز إثني أو طائفي في بعض المناطق وتغيير طابعها الديموغرافي. وهذه الهجرات الحديثة يمكن أن نقسمها إلى نوعين:
1- الهجرات الطوعية كهجرات القبائل العربية المسيحية التي حدثت في مستهل الدعوة العربية الإسلامية، إلى مناطق جديدة للمشاركة في الفتوحات أو لتقوم بوظيفة الدفاع عما سمي بثغور المسلمين، ومنها هجرة العشائر العربية إلى مختلف المناطق في سورية والعراق ولبنان وحتى إيران ومناطق تركيا الحالية وصولاً إلى مناطق أخرى في آسيا وأوروبا. كذلك الهجرات التي حدثت في العهد العثماني بدءاً من القرن 16م والذي دفع بمجموعات دينية وطائفية بعينها لتستقر في مناطق جديدة لتقيم توازناً طائفياً أو مذهبياً كما حدث في كسروان مثلاً من أجل إقامة توازن مع الشيعة أو الموارنة. وهجرات الموارنة إلى «مناطق الدروز» في القرنين 17 و18م بأعداد كبيرة ليعملوا في الاقطاعيات الزراعية كشركاء أو كأيد عاملة في إنتاج الحرير، ثم كوسطاء لبيعه، وبعدها كتجار منتجين له.
2- الهجرات القسرية وعلى الأصح تهجيرات كان سببها إما الاضطهاد الديني كما حدث في مراحل المسيحية الأولى واضطهاد الرومان لهم ما دفعهم إلى الهجرة الكبيرة إلى مناطق وعرة المسالك كجبال لبنان، وهجرة الموارنة أثناء حملات التعسف في فترة صراع المذاهب المسيحية الأولى، وتهجير الشيعة على زمن الأمويين، كتهجيرهم من مناطق جنوب العراق إلى لبنان وسورية ليكونوا تحت المراقبة المباشرة، وإما الهجرات الأرمنية والكردية بسبب الاضطهاد الذي تسببت به السلطة العثمانية، أو نتيجة الصراع بين الحكام والأهالي كتهجير المماليك للشيعة من كسروان أو التهجيرات التي حصلت نتيجة للحروب الأهلية المتفرقة، كتهجيرات الجبل اللبناني التي لا تزال ثمارها المأسوية قائمة حتى كتابة هذه السطور.
وأما عن أصل الأعراق، وإن يكن من العبث في هذا الزمن التحدث عن عرق بعينه، خصوصاً وأن آخر الدراسات بدأت تتحدث عن أن أصل سكان أوروبا يأتي في الأصل من جذور شرق أوسطية كانت تعمل في الزراعة ذات المنشأ الشرق أوسطي (حسب دراسة الدكتورة باتريشيا بالاريسك من جامعة لستر البريطانية). وبذلك تكون الهجرات الأولى قد انطلقت من الشرق، ربما! وقد جرى الامتزاج بين هذه العناصر حتى بات من المستحيل أن تحدد هوية كل منها، حتى ولو استعملت أدق الوسائل العلمية! وبعد هذا الاختلاط المذهل للمجموعات البشرية وتفرعها إلى تشكيلات جديدة، فلا بأس أن نؤشّر حتى إلى هذا الأمر ولو بشكل موجز. ولئلا نتشبّه باليهود في كل شيء كما في حب التميّز. فلنفتش إذن من أي أصل ننحدر، علنا بذلك نشفي ذاتنا الحائرة في الانتماء (والبشر كما كل شيء في هذا الكون، بذرة واحدة، وأصل واحد)! أو نقنع العالم بأن لنا شأناً ليس لغيرنا مثله! وعليه فإن «عرق حوض البحر الأبيض المتوسط الذي تنتمي إليه الشعوب التي سكنت شمال سورية وفلسطين ولبنان في العصر الحجري الحديث، حوالى 5000 ق.م وتنتمي إليه أغلب شعوب شمال أفريقيا وجنوب أوروبا، وهو يختلف عن إنسان مغارة أنطلياس البدائي. وإلى هذا العرق الأبيض القوقازي تنتمي الشعوب السامية (العربية)، والتي تظهر فيها أيضاً بعض مزايا العرق الأرمني الذي هو الجزء الشرقي من العرق الألبي، وهو عرق جبلي يقطن الأراضي المرتفعة الممتدة من جبال الألب إلى القوقاز»((5)). يعني أنه مهما درنا فإننا نعود إلى النقطة نفسها، العرق الأبيض القوقازي. أما «بدو الجزيرة العربية في نجد برؤوسهم الطويلة وملامحهم النحيفة يمثلون الفرع السامي من العرق المتوسطي في أنقى خصائصه. أما العرب الباقون، ولا سيما أولئك الذين يجاورون أطراف الجزيرة العربية فقد كانوا عرضة للتمازج العرقي المختلط»((6)). وهنا قد يغضب اليهود وربما الشعوب الآرية، وربما بعض اللبنانيين!
أما عن سرَّة هذا الكون، لبنان، فإن الحقائق لا تميزه في شيء، وإن ميّز مغاليه شأنه ما شاؤوا! كمثال ميشال شيحا الذي يقول عنه: «لا جرم في أن لبنان بلد غاية في الصغر، ولكن أصالة هذا البلد ليست محل جدال. هو بلد في غاية القدم يقال فيه اليوم إنه فتي للغاية. وموقعه الجغرافي على المتوسط من أكثر المواقع أهمية وأكثرها تعرضاً... فيه تتواجه الأعراق والمعتقدات والشعائر واللغات وأساليب التفكير والأعراف. هو في وقت معاً، بلد «ملجأ» وبلد هجرة، بلد جبال وسهول، بلد مناخات متنوعة وثقافات مختلفة، وفيه نقع على صور الجنس البشري جميعاً وعلى صور العمل البشري جميعاً... خلاصة القول إننا هنا بين أكثر المتضادات تضاداً وأكثر العقليات تبايناً وأكثر الأعراف تنافراً وأقل الوجوه تماثلاً، ها هنا عالم أصغر((7))»!
وبما أن اللبنانيين قد اختلطوا على مر العصور مع الشعوب التي مرت على بلادهم، أضحى من الصعب التسليم بمقولة الاتصال الفينيقي على كل مكونات الشعب اللبناني. وما وجود أقليات تاريخية في لبنان لحضارات بائدة؛ كالكلدانيين والأشوريين والفرس والمقدونيين والرومان، إلا إثبات على غنى العنصر اللبناني، لا سيما أنه تلت زوال فينيقيا ذاتها هجرات متعددة جلبت معها من المكونات الجديدة التي أغنت الخليط اللبناني كاليونانيين والألبان والرومان والفرس والتركمان والأكراد والأقباط والأرمن، ما يجعل الادعاء بفينيقية اللبنانيين مجرد خيار ثقافي، أو مفخرة تاريخية مسقطة، أو على الأغلب مبرراً سياسياً مفتعلاً لدعاة التغرّب، يهدف إلى التمايز والانعزال عن المحيط، إما غروراً (وهذا أقل الظن) وإما تنفيذاً لمشاريع غريبة (وهذا ليس بغريب عن ساسة لبنان عبر التاريخ ولا حتى عن الذهنية الفينيقية)!
وبما أن العنصر الغالب الذي قدم إلى الجغرافيا اللبنانية كانوا عرباً (ساميين)، وبما أن الوجود العربي المحض (بالاسم العربي) كان وفد على هذه الأرض على الأقل بألف عام قبل أن يسميه البعض بالفتح العربي، لاعتبارات عند هذا البعض بأن الفتح يجريه عنصر غريب! وإذا استعرضنا تاريخ الملوك الأيطوريين العرب في لبنان على مدى حقبة طويلة من الزمن، تعود إلى ما قبل غزو الاسكندر المقدوني بأجيال، ودفاعهم المستميت عن أرضه ضد غزوات الإغريق ثم الرومان، ونستشهد هنا بقول المؤرخ آريان في مؤلفه «سيرة الإسكندر» أنه في حصاره لمدينة صور التي صمدت له: «ترك الحصار وذهب إلى البلاد العربية في جبل لبنان الداخلي لضم الأهلين إلى جانبه بالحرب أو بالمعاهدات»((8))؛ فيما يؤكد الأب لامنس قدم وجود العرب الأيطوريين في لبنان، وأن «هذا الوجود يعود إلى ما قبل الفتح الروماني لسورية»((9)).
وحتى أن فيليب حتي يشير إلى وجود «الكثير من الأيطوريين الذين كانوا من تلاميذ المسيح»((10)).

الصفحات