على الرغم من تطور مجالات الثقافة والعلوم السريانية في بداية القرن السابع الميلادي، فإن سيطرة البيزنطيين على المدارس العليا في سوريا وضغوط الفرس وتدخلهم في حياة أهالي العراق وإشعال نار الفتنة بين المناذرة والغساسنة الذين كان من بينهم عدداً كبيراً من المسيحيي
أنت هنا
قراءة كتاب أصول الثقافة السريانية في بلاد ما بين النهرين
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

أصول الثقافة السريانية في بلاد ما بين النهرين
الفصل الثاني
الـــعــراق خـــلال الفترة بين 50- 226م
المبحث الأول : البارثيون أو الفرثيون Parthians
يعرف هذا الشعب باسم البارثين أو الفرثيين، وهم فرع من الإيرانيين الأشكانيين، استقروا في حياتهم البدوية في الألف الأول قبل الميلاد في منطقة (بارثا) قرب خراسان، حيث شكلوا فيها إمارة محاربة تعتمد على شيوخهم من الارستقراطيين في العام (250 ق.م)، تمكن أحد رؤساء القبائل البارثية، ويدعى أرشاك من التحرر من سيطرة الحكم اليوناني – السلوقي([12]) الذي كان يحتل معظم بلدان الشرق الأدنى، وأسس السلالة الملكية الارشاكية أو الارشاقية (Arsacides)، وخلفه في الحكم (تيريدتيس) عام 247 ق.م. وكانت عاصمة ملكه في مدينة دارا، ثم انتقلت إلى مدينة (هيكاتومبيلوس) لعلها سوسا (شوشا)، في فترة فرض فيها انتيوفس الثالث سيطرته مرة أخرى على المنطقة، إلا أن توسع دولة ميترداتس الأول (نحو 171-138 ق.م) أعاد الحيوية للمملكة البارثية وعزّز نطاق سيطرته على مجمل أراضي إيران ومن ثم بلاد ما بين النهرين كلها حتى الرها، وذلك في السنوات (141- 140 ق.م) وأكمل احتلال العراق الملك فيرادس الثاني الذي حكم في الأعوام (123-88 ق.م) وفي أيام الملك فيرادس الثالث (37-57 ق.م) هاجم الحاكم الروماني ليسينوس كراسوس، البارثيين في بلاد الرافدين لكنه تاه في الصحراء بين تدمر وبصطرى (بصرى) وعاد إلى الرها، حيث هزم فيها عام (53 ق.م) وتشجع البارثيون في عهد الملك ميترادتس الثالث فاخترقوا سوريا وظهرت جيوشهم على مشارف أورشليم، وشمالاً على مشارف أنطاكيا، وحاول القائد الروماني أنطونيوس شن هجوم مباغت لردعهم لكن الهجوم فشل وانهزم القائد الروماني في (أفراسيا) جنوب الأناضول وذلك في عام (36 ق.م).
ومن ثم بدأ ضعف الحكم البارثي الذي نتج عن الاضطرابات والخلافات بين العائلات الحاكمة، بالإضافة إلى ضعف الملوك المتعاقبين على الحكم، وقد أثر ذلك إيجاباً على بلاد ما بين النهرين، فازدهرت الممالك الصغيرة الرافدينية التي كانت تحت نفوذ البارثيين وهي مملكة حدياب (اديابين) ومملكة حاطرا (الحضر) ومملكة ميشان، وتوسعت سبل التجارة بين المدن الرافدينية وتدمر وبصطرى ونشطت القوافل التي تنقل البضائع بين جميع أنحاء العراق القديم والعالم الخارجي.
كان العراق مقسماً إلى مناطق أو مرزبانات منظمة إلى حد ما، وطرق للقوافل معروفة، إذ كان قد اعتنى بها اليونانيون السلوقيون، بالإضافة إلى البريد المنظم بين المرزبانات والمدن الكبيرة مثل طيسفون([13]) وسلوقية وبابل وأربيلا وارابخا ونيبوروكيش.
وكانت سلطة الملك هي العليا منبثقة من سلطات الإله اهورا مزدا، وكان يعتبر الملك هو المختار من قبل الآلهة المحلية لشعوب الإمبراطورية، وكان الملك محاطاً بالإشراف من الفرس والميديين مع العناية الخاصة بالأسرة الملكية الارشاكية.
تتلمذ الفرس عموماً على يد الحضارات الرافدينية وثقافاتها وعلومها وصناعات أبنائها في كل الحقول، فعرفوا الصناعات اليدوية وكذلك صناعة المواد المعدنية كالسيوف والسكاكين وصهر البرونز والنحاس، واستطاع البارثيون أن يشكلوا في طراز أبنيتهم شكلاً من العمارة الفارسية وهو مزيج من الفن الفارسي مع الاستفادة من الأبنية والعمارة الاشورية التي كانت تناسبهم لكثرة وجود الحجر والمرمر في بلادهم، واقتبسوا القوس نصف الدائري الاشوري، وأضافوا إليه نقوشاً وزخارف فنية هلنستية.
وكان تأثير المصلح والفيلسوف زرادشت كبير على أفكار الفرس حتى انقضاء إمبراطوريتهم، وكان كتاب (افيستا) (Avesta) الذي دونت فيه معتقدات الاله (اهورا – مزدا) والتعاليم المقدسة، يعتبر منبع ثقافتهم الدينية، وكانت آلهة الشر تتصارع مع آلهة الخير، وهكذا فمنذ البدء كان هناك الخير والشر، وعن هذين المبدأين نشأت الحياة والفناء، وسمي اله الشر (اهريمان).
وقد نظمت العبادة الزرادشتية بموجب قواعد فقد حرمت تقديم الاضحيات والقرابين بعكس القبائل الارامية والعبرية والعربية كما اتخذ الفرس عقيدة في عدم دفن الموتى أو حرقهم، وغسلهم مخافة تدنيس العناصر الثلاث المقدسة: التراب والنار والماء([14]).
وكانت اللغة الآرامية من بين اللغات السامية التي كانت سائدة في دواوين البارثيين ومن بعدهم الساسانيين، ولما كانت الكتابة المسمارية غير عملية فيما عدا الاستعمال الكتابي، فقد استعملت الكتابة الآرامية حتى في الوثائق المكتوبة باللغة الفارسية، وكان هذا أصل الكتابة البهلوية، وكانت عادة استخدام الألفاظ الآرامية موجودة في النصوص البهلوية، وتدريجياً وخاصة في القرن الثاني الميلادي بدأت اللغة السريانية بالانتشار وهي اللغة الآرامية المحكية من قبل العامة، وأصبحت فيما بعد لغة الكنيسة المسيحية التي بدأت تنتشر في العراق وبقية المناطق في الشرق الأدنى وكانت اللغة الأدبية للمسيحيين الذين كانوا من أصول بابلية أو أشورية أو آرامية بالإضافة إلى أولئك المسيحيين الذين كانوا يقيمون في إيران وفي ميشان (الاهواز) على وجه الخصوص ومنها مدينة جنديسابور والتي دعاها السريان (بيت لافاط).
وكانت السريانية قد نمت أولاً في الرها في أواخر القرن الأول الميلادي وتبنتها الكنيسة في سوريا وفلسطين ثم في العراق وإيران بعد ذلك، ومع كل ذلك فقد بقيت اليونانية إلى جانب الآرامية متداولة في الممالك الرافدينية الثلاث وفي المدن التي بناها اليونانيون في سوريا مثل نصيبين والرها ونيكوفورم (الرقة) ودوارا – يوربس (الصالحية) وغيرها، حتى القرن الثاني الميلادي([15]).
ومن الجدير بالذكر أنه في عهد الملك ميترادات الثالث (57-37 ق.م) قامت ثورة شعبية من أهالي طيسفون من البابليين ضد الحكم البارثي الفارسي، واستطاع المقاومون أن يحرروا المدينة ويدافعوا عنها ومن ثم يستقلون بإدارتها لمدة عشر سنوات بين الأعوام (46-37 ق.م) وبالرغم من أنه ليس لدينا وثائق عن سبب ثورة هذه المدينة الكثيفة السكان، إلا أن الطغيان البارثي وسوء معاملة أهالي البلاد كان من أغلب الفرضيات السبب لانتفاضتهم، وذكر أن اليهود كانوا من ضمن المساهمين في هذه الثورة.
وخلال الفترة البارثية من العصر الفارسي – السرياني، تولى تسعة ملوك السيطرة على الإمبراطورية التي كانت بلاد الرافدين من ضمنها وكانوا يحكمونها من العاصمة طيسفون وذلك في الفترة من (50 ميلادية حتى عام 224 ق.م).
كان الملك ولكاش الثالث (148-192م) يترقب الفرصة للقيام بالهجوم على شمال وسوريا، وقد بدأ بذلك عندما اعتقد أن العرش في روما قد أصبح ضعيفاً لأنه بات مشتركاً بين إمبراطورين هما ماركوس اورلوس ولوشيوس فيروس (161-169م) والتقى الفريقان حيث وقعت معركة حاسمة انتصر فيها البارثيون وتمكنوا على أثرها من الاستيلاء على الرها ثم عبور الفرات إلى داخل سوريا.
أوفدت روما لوشيوس فيروس إلى الشرق، ووضعت تحت أمرته أبرع ما لديها من القادة العسكريين، ونزل فيروس في انطاكيا عاصمة الولاية السورية ومنها توجه بجيش كبير نحو العراق، وفي عام (146م) عبر جيشه الفرات من مكان تحت مدينة نيكوفور (الرقة)، التي أصبحت منذ ذلك العام تابعة للرومان.
ثم تقدم بجيشه إلى سلوقية فدخلها دون مقاومة، وذكر أنه أضرم فيها النار بالرغم من أنها كانت بلدة صغيرة لا حول لها ولا قوة يسكن فيها كثير من المسيحيين الأولين، غير أن هذا النصر لم يدم طويلاً، إذ تفشى في جيشه وباءً اضطره للانسحاب إلى داخل سوريا، ومع أن هذه الحرب لم تنته إلى نتيجة حاسمة، لكنها أضعفت البارثيين، إذ سلخت منهم بعض المقاطعات المهمة في شمال سوريا، وصارت المناطق الواقعة إلى الغرب من الخابور تابعة إلى روما.
يعتبر الملك ارتبان (اردوان) الخامس (208-226) من أشهر الملوك البارثيين، وفي عهده حاول الإمبراطور الروماني كاراكلا عام (211م) أن يتقدم نحو طيسفون بحجة رغبته بالزواج من إحدى الأميرات البارثيات، في محاولة لتطويق ارتبان وقتله بواسطة حرس الإمبراطور كراكلا، لكن الملك البارثي نجا من المكيدة، ولاحق الإمبراطور كراكلا بجيشه حتى وصل مدينة (كارا) شمال سوريا فطلب الرومان عقد الصلح، لكن ارتبان فرض عليهم شروطاً تعجيزية من موقف القوة، وعلى أثر ذلك وقعت بينهما معركة في منطقة نصيبين أسفرت عن طلب الرومان الصلح مرة أخرى مقابل تنازلهم عن بعض المناطق في شمال سوريا ودفع مبلغاً كبيراً للبارثيين.
وبعد الاتفاق، حلت هدنة طويلة امتدت أكثر من نصف قرن في جميع أنحاء العراق حتى هجوم اردشير الساساني الكاسح على مملكة البارثيين والقضاء عليها عام (224) ([16]).

